قادمة ولن انحني
كتبت/سناء جوهرة
_هل رأيتم الجبال تنحني يوماً؟_
كذلك أنا… صامدة رغم كل العواصف. علمتني الدنيا ألا أنحني إلا لله. لم يربّني أبٌ لأفرق بين الصواب والخطأ، بل امرأة واحدة غرست فيّ الكبرياء منذ الصغر وقالت: “اعتمدي على نفسك”. فكبرت وأنا أنتزع ما أريد انتزاعاً، وأيقنت أن الكرامة لا تُشترى، بل نصنعها بأيدينا. وأدركت أن الفشل ليس قبراً، بل سلماً نصعد به، فأنهض وأنفض عني غبار الهزيمة وأمضي.
وعلمت أن أثمن الدروس لا تُسطّر في الكتب ولا تُلقّن في المدارس، بل تُحفر فينا من لهيب التجارب. هي التي تكسرنا أولاً، ثم تمنحنا القوة لنرمم أنفسنا ونواصل. فكل جرح صار حكمة، وكل عثرة صارت سبباً في قيامة أشد.
ظننت أن الأحلام تأتي سريعاً، لكنها تأخرت. تأخرت حتى ظننت أن القطار قد فاتني. كان حلمي هو النجاح والدراسة، فلهثت وراء الكتب بظمأ العطشان، وأقبلت عليها رغم الألم وأنا أبتسم. لأنني آمنت أن بعد العسر يسراً، وأن ما لم يتحقق في البداية سيأتي في حينه.
أما الأثر الذي لا يُمحى فتركته فيّ تلك المرأة. لم تكن أمي بالدم فقط، بل كانت أباً وأماً ومدرسة. جعلت من يراني يفخر بي كأنني فلذة كبده، وأوصتني: “لا تسجدي إلا لله، ولا ترخصي نفسك لأحد”. وبها عرفت معنى العزة الحقيقية.
والحقيقة التي أدركتها متأخرة هي أنني كنت أظن “الوطن” حضناً و”المجتمع” سنداً. لكن الأيام كشفت لي أن أوطاناً تبيع أبناءها في سوق الحاجة، وأن مجتمعات تضع على الأعناق سلاسل “العيب” كي لا نطير. فهمت أن الانتظار لا يُطعم جائعاً، وأن لا أحد سيمنحني شيئاً إن لم أنتزعه بيدي، وأن الله وحده هو الرزاق الذي لا ينسى.
اليوم أعلنها: سأخلد بالعلم والنجاح، وما بدأته بدموعي سأختمه بابتسامتي. لست عابرة، بل أنا الزهرة التي نبتت بين الصخور وازدادت عطراً بكل مطر.
_استعدي أيتها الحياةَ، فإني قادمة، ولن تثنيني الرياح عن بلوغ قمتي._
سناء جوهرة / المغرب






المزيد
ربما
أمي والوجود: حين يصبح الحب سؤالًا: فلسفيًا عن معنى الحياة
لقلب لا يشبه أحدا سواك