حين تصبح حياة الآخرين مقياسًا لحياتنا
بقلم الكاتب هاني الميهي
الفصل العاشر
كل هذا يحدث في الخارج
لكن شيئًا منه يحدث فينا
فتحت هاتفها قبل أن تنهض من السرير.
كانت الغرفة ما تزال نصف مظلمة.
الستارة مغلقة.
والساعة لم تصل إلى السابعة.
لكن العالم كان قد سبقها.
صورة سفر.
منزل جديد.
ترقية.
حفل زفاف.
مشروع بدأ.
شخص يعلن عن إنجاز.
آخر يكتب عن سنة استثنائية.
ثالث يقف أمام بحر لا تعرف أين يقع.
رابع يبتسم بجوار سيارة جديدة.
ظلت تمرر إصبعها على الشاشة.
صورة بعد صورة.
لم تكن تغار.
هكذا قالت لنفسها.
كانت فقط تشاهد.
لكنني كنت أراقب وجهها.
كل صورة كانت تأخذ شيئًا صغيرًا منها.
ليس لأن أصحاب الصور أفضل منها.
بل لأنها بدأت تقيس نفسها بهم دون أن تشعر.
وضعت الهاتف على صدرها.
نظرت إلى السقف.
ثم قالت:
«أنا متأخرة.»
لم يسألها أحد: متأخرة عن ماذا؟
ولم تكن تعرف.
—
هذه واحدة من أكثر الحيل هدوءًا التي تمارسها النفس على الإنسان.
أن تجعله ينظر إلى حياة شخص آخر…
ثم يعود لينظر إلى حياته بعين مختلفة.
قبل دقيقة كان راضيًا عن بيته.
ثم رأى بيتًا أكبر.
كان ممتنًا لعمله.
ثم رأى شخصًا في منصب أعلى.
كان سعيدًا بعلاقته.
ثم رأى صورة لعلاقة تبدو مثالية.
كان يمشي في طريقه.
ثم اكتشف فجأة أن هناك آلاف الطرق الأخرى.
وهكذا تتحول الشاشة الصغيرة إلى مرآة.
لكنها مرآة لا تعكس وجهك.
تعرض لك نسخًا منتقاة من حياة الآخرين.
وأنت تقارنها بكل ما تعرفه عن حياتك.
وهنا تبدأ المقارنة غير العادلة.
أنت ترى صورتهم.
وتقارنها بتعبك.
ترى نجاحهم.
وتقارنه بمحاولاتك.
ترى النتيجة.
وتنسى الطريق.
—
رأيت موظفًا يدخل مكتبه.
كان قد حصل قبل أيام على زيادة في راتبه.
فرح.
أخبر أسرته.
اشترى شيئًا صغيرًا كان يؤجله.
وفي صباح الاثنين، فتح البريد.
وجد إعلانًا عن ترقية موظف آخر.
قرأ الاسم.
أغلق البريد.
ثم فتحه مرة ثانية.
لم يكن غاضبًا من الرجل.
كان غاضبًا من نفسه.
قال:
«ماذا ينقصني؟»
وهنا بدأت المشكلة.
لأن السؤال لم يكن:
«كيف أطور نفسي؟»
كان:
«لماذا لست مثله؟»
والسؤالان يبدوان متشابهين.
لكن أحدهما يفتح طريقًا.
والآخر يفتح حفرة.
—
التنافس قد يدفع الإنسان إلى النمو.
لكن المقارنة المستمرة قد تدفعه إلى كراهية نفسه.
هناك فرق بين أن ترى نجاح شخص فتقول:
«يمكنني أن أتعلم منه.»
وبين أن تراه فتقول:
«أنا أقل منه.»
الأولى حركة إلى الأمام.
والثانية محاكمة للذات.
والإنسان لا يحتاج دائمًا إلى شخص يهزمه.
أحيانًا يكفي أن يظل يقيس نفسه بالآخرين حتى يهزم نفسه بنفسه.
—
كانت هناك امرأة تجلس في بيتها بعد يوم طويل.
أطفالها نائمون.
المطبخ مرتب جزئيًا.
بعض الملابس تنتظر الطي.
على الطاولة كوب شاي لم تشربه.
فتحت هاتفها.
رأت امرأة أخرى تتحدث عن التوازن بين العمل والأسرة والاهتمام بالنفس.
بيت مرتب.
ملابس أنيقة.
ابتسامة.
أطفال يبدون سعداء.
توقفت عند الصورة.
ثم نظرت حولها.
رأت الألعاب.
الغسيل.
الكوب البارد.
شعرت أنها فاشلة.
لكنها لم ترَ المرأة الأخرى وهي تستيقظ ليلًا.
لم ترَ خلافاتها.
لم ترَ خوفها.
لم ترَ أيامها السيئة.
لم ترَ الكاميرا وهي متوقفة عند أفضل زاوية.
وهذه هي المشكلة.
نحن نقارن كواليس حياتنا بواجهة حياة الآخرين.
—
كنت أريد أن أقول لها:
لا تصدقي كل ما ترينه.
لكنها لم تكن تحتاج نصيحة.
كانت تحتاج فقط أن تتذكر شيئًا نسيته:
أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف حياة الآخر كاملة من نافذة صغيرة.
وأن الصورة ليست كذبًا بالضرورة.
لكنها ليست الحقيقة كلها أيضًا.
قد يكون الشخص سعيدًا فعلًا.
وقد يكون ناجحًا.
وقد يكون مستقرًا.
وهذا لا يعني أنك فاشل.
نجاح شخص آخر ليس إهانة لحياتك.
—
لكن المقارنة لا تأتي دائمًا من الهاتف.
أحيانًا تأتي من أقرب الناس.
«فلان اشترى.»
«فلانة سافرت.»
«ابن فلان ترقى.»
«ابنة فلانة تزوجت.»
«صديقك بدأ مشروعًا.»
جمل عابرة.
قد لا يقصد قائلها شيئًا.
لكنها تدخل إلى النفس.
ثم تجلس.
وتبدأ في العمل.
بعد فترة، لا تعود تسمع صوت الآخرين.
تسمع صوتك أنت:
«يجب أن ألحق بهم.»
ولا تعرف من أين جاء هذا «يجب».
—
رأيت رجلًا يغيّر عمله.
لم يكن يكره وظيفته.
راتبه جيد.
فريقه محترم.
وكان لديه وقت لعائلته.
لكنه عرف أن صديقه أصبح مديرًا.
قال:
«أنا أيضًا يجب أن أكون مديرًا.»
سألته نفسه:
«لماذا؟»
لم تجد إجابة واضحة.
كان يريد المنصب لأنه رأى شخصًا آخر فيه.
وهنا يصبح الطموح خطرًا عندما لا يعود نابعًا من معنى.
قد تركض نحو شيء…
فقط لأن شخصًا آخر وصل إليه.
ثم تصل.
وتكتشف أنك لم تكن تريده أصلًا.
—
والدين هنا لا يدخل بوصفه جملة جاهزة عن الرضا.
الإيمان لا يطلب من الإنسان أن يتوقف عن الطموح.
ولا أن يفرح بما لديه ويترك السعي.
بل يعلمه أن القيمة ليست في أن تكون نسخة من غيرك.
وأن الأرزاق ليست سباقًا واحدًا له خط نهاية واحد.
وأن الإنسان مسؤول عن سعيه، لا عن امتلاك حياة شخص آخر.
قد ترى نعمة عند غيرك.
فتتمنى مثلها.
لا بأس.
لكن الخطر أن تتحول الأمنية إلى اعتراض داخلي على حياتك.
أن تنظر إلى ما عندك فتراه قليلًا فقط لأنه ليس عند غيرك.
وهنا تضيع النعمة مرتين:
مرة حين لا تراها.
ومرة حين تجعلها سببًا لاحتقار نفسك.
—
توقفت الفتاة أمام صورة أخرى.
هذه المرة كان شخص تعرفه يعلن عن نجاح كبير.
وضعت الهاتف.
ابتسمت.
ثم قالت:
«أنا سعيدة له.»
وكانت صادقة.
لكن بعد ثوانٍ أضافت:
«وأنا ماذا فعلت؟»
جلست طويلًا.
هذا السؤال كان أعمق.
لأنها لم تعد تقارن إنجازًا بإنجاز.
كانت تقارن قيمة إنسان بجدول إنجازات.
وكأن الإنسان إذا لم يصعد، لم يكن موجودًا.
وكأن السنوات لا قيمة لها إلا بما يمكن تصويره ونشره.
وكأن الهدوء فشل.
وكأن الطريق البطيء خطأ.
وكأن الإنسان يجب أن يثبت كل عام أنه يستحق أن يكون هنا.
—
أنا أعرف هذه النظرة.
رأيتها كثيرًا.
في عيون الموظف.
وفي وجه الأم.
وفي شخص بدأ مشروعًا صغيرًا.
وفي شاب يقف أمام المرآة.
وفي إنسان تجاوز الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين، ثم بدأ فجأة يحسب ما فاته بدلًا من النظر إلى ما بقي.
يحسب السنوات.
الأموال.
الفرص.
العلاقات.
النجاحات.
ثم يضع كل ذلك على ميزان واحد.
ويقول:
«لم أفعل ما يكفي.»
لكن من قال إن الحياة دفتر حسابات؟
ومن وضع الجدول؟
ومن قال إن كل إنسان يجب أن يصل إلى النقطة نفسها في العمر نفسه؟
—
أحيانًا تكون المشكلة أننا نرى النتيجة فقط.
ولا نرى تكلفة الوصول إليها.
قد تحسد شخصًا على منصبه.
ولا تعرف أنه عاد إلى بيته سنوات وهو لا يرى أبناءه إلا نائمين.
قد تحسد شخصًا على مشروعه.
ولا تعرف كم ليلة نام فيها وهو يخشى الإفلاس.
قد تحسد شخصًا على سفره.
ولا تعرف ماذا ترك خلفه.
قد تحسد شخصًا على زواجه.
ولا تعرف ما الذي يحدث خلف الباب.
وقد تحسد شخصًا على هدوئه…
بينما هو يتمنى شيئًا واحدًا تملكه أنت ولا تراه.
—
لهذا لا أريد للإنسان أن يتوقف عن النظر إلى الآخرين.
النظر ليس المشكلة.
المشكلة أن تجعل حياة الآخرين محكمة لحياتك.
انظر.
تعلم.
استفد.
اقتدِ بما يستحق.
لكن لا تجعل إنجاز شخص آخر دليلًا على نقصك.
ولا تجعل تأخر شخص آخر دليلًا على تفوقك.
فكل إنسان يعيش قصة لا تستطيع أن تراها كاملة.
—
في إحدى الأمسيات، عاد الموظف إلى مكتبه بعد انتهاء الدوام.
فتح ملفًا قديمًا.
وجد أول تقرير كتبه قبل سنوات.
قرأه.
ابتسم.
كان ضعيفًا.
الأرقام غير مرتبة.
واللغة مرتبكة.
لكنه تذكر شيئًا مهمًا.
الشخص الذي كتبه لم يكن يعرف ما يعرفه الآن.
ومع ذلك بدأ.
نظر إلى شاشة الكمبيوتر.
ثم إلى مكتبه.
ثم إلى الطريق الذي قطعه.
لأول مرة منذ فترة طويلة، لم يقارن نفسه بأحد.
قارن نفسه بنفسه القديمة.
وكان الفرق واضحًا.
لم يكن قد وصل إلى كل ما يريد.
لكنه لم يعد الشخص نفسه.
وهذا يكفي ليعرف أنه لم يكن واقفًا.
—
هذه المقارنة مختلفة.
لا تسألك:
«لماذا لست مثل فلان؟»
بل تسألك:
«هل أنا اليوم أكثر وعيًا من الأمس؟»
«هل أصبحت أهدأ؟»
«هل تعلمت؟»
«هل أصلحت شيئًا؟»
«هل توقفت عن تكرار خطأ قديم؟»
«هل أصبحت علاقتي بالله أصدق؟»
«هل صرت أرحم بنفسي؟»
هذه أسئلة لا تحتاج إلى جمهور.
ولا تحتاج إلى صورة.
ولا تحتاج إلى تصفيق.
—
وفي تلك الليلة، عادت الفتاة إلى هاتفها.
كانت تستطيع أن تواصل التصفح.
لكنها أغلقت الشاشة.
وضعت الهاتف بعيدًا.
ذهبت إلى المطبخ.
غسلت كوبًا.
ثم وقفت أمام النافذة.
لم يحدث شيء استثنائي.
لم يتغير راتبها.
لم تحصل على ترقية.
لم تسافر.
لم يشاهدها أحد.
لكنها شعرت بشيء هادئ.
أن حياتها لا تحتاج أن تبدو مبهرة كي تكون حقيقية.
وأن الأيام العادية ليست فراغًا.
وأن الإنسان قد يعيش نعمة كاملة دون أن يضعها في صورة.
—
أنا النفس.
وأعرف أنك أحيانًا لا تريد حياة شخص آخر.
أنت فقط تريد أن تشعر أنك لم تتأخر.
وهذا هو السر.
المقارنة في كثير من الأحيان ليست رغبة في امتلاك ما عند الآخرين.
إنها خوف من أن تكون قد ضيعت وقتك.
ولهذا عندما ترى شخصًا وصل، لا ترى وصوله وحده.
ترى الساعة.
وتسمع صوتًا داخلك يقول:
«وأنت؟»
لكنني أريد أن أقول لك شيئًا:
ليس كل طريق له الموعد نفسه.
ولا كل تأخر خسارة.
ولا كل وصول نجاحًا.
ولا كل إنجاز مناسبًا لك.
بعض الناس يصلون مبكرًا إلى أشياء يكتشفون لاحقًا أنهم لم يكونوا يريدونها.
وبعض الناس يتأخرون في الوصول إلى الشيء الذي كان يستحق الانتظار.
—
في آخر المشهد، كان الشارع قد هدأ.
المدينة مستمرة.
الناس يعودون إلى بيوتهم.
أضواء كثيرة خلف النوافذ.
كل نافذة تحمل قصة لا نعرفها.
بيت يبدو سعيدًا.
وبيت يخفي خلافًا.
بيت يحتفل.
وبيت ينتظر خبرًا.
بيت يخطط للمستقبل.
وبيت يحاول فقط أن يمر هذا اليوم بسلام.
من الخارج…
كل النوافذ متشابهة.
لكن الداخل مختلف.
هكذا هي الحياة.
لا تقارن نافذتك بنافذة أخرى.
أنت لا تعرف ما وراء الزجاج.
—
وأغلقت هي هاتفها.
هذه المرة لم تشعر أنها خسرت العالم.
شعرت أنها استعادت نفسها.
ربما لم يتغير شيء في الخارج.
لكن الكاميرا في الداخل تحركت.
بدل أن تصور الآخرين…
عادت لتصور حياتها.
كما هي.
بفوضاها.
بتعبها.
بأيامها الجميلة.
بأيامها الثقيلة.
وبالأشياء الصغيرة التي لم تكن تراها لأنها كانت مشغولة بالنظر إلى حياة غيرها.
ثم فهمت:
ليس المطلوب أن تكون حياتي أفضل من حياة أحد.
يكفي أن تكون…
حياتي.
رسالة الفصل
لا تجعل حياة الآخرين مقياسًا لقيمة حياتك.
يمكنك أن تتعلم من نجاحهم دون أن تحتقر نفسك، وأن ترى نعمهم دون أن تنكر نعمك، وأن تطمح إلى الأفضل دون أن تتحول حياتك إلى سباق لا تعرف من وضع قواعده.
وتذكر أن الصورة لا تكذب بالضرورة، لكنها لا تقول كل الحقيقة.
فلا تحاكم حياتك الكاملة بصورة واحدة من حياة شخص آخر.
تمهيد الفصل القادم
لكن المقارنة لا تؤلمنا فقط لأن الآخرين يبدون أفضل.
هناك شيء أعمق.
أن الإنسان، بعد فترة من المقارنة، يبدأ في صناعة نسخة من نفسه ترضي الصورة التي يريد الآخرون رؤيتها.
يختار عملًا ليبدو ناجحًا.
يشتري ما لا يحتاج إليه ليبدو قادرًا.
يتحدث بطريقة لا تشبهه.
يخفي تعبه.
يبتسم في الوقت المناسب.
ثم يعود إلى بيته…
ويخلع أمام المرآة الشخصية التي ارتداها طوال اليوم.
في الفصل القادم، ستدخل الكاميرا إلى تلك اللحظة تحديدًا:
الفصل الحادي عشر: الشخص الذي نرتديه أمام الناس






المزيد
الحلقة الخامسة: ما الذي يبقى بعد الاعتذار؟ بقلم الكاتب : هاني الميهى
مُعَلَّقَةُ الرَّحِيل بقلم سمية عمر عكاشة
ستعود الأيام، رغم ثقلها بقلم خيرة عبدالكريم