الحلقة التاسعة: القرار الذي لا يرضي أحدًا
الكاتب : هاني الميهى
ما لم نتفق عليه
ظل كريم ممسكًا بالهاتف، يستمع إلى صاحب الشقة وهو يكرر أن الفرصة لن تنتظر طويلًا. كان العرض مغريًا؛ الإيجار مناسب، والشقة جاهزة، والمقدم متاح إذا قررا الاستفادة من مساعدة والده. لم يكن ينقصهما سوى كلمة واحدة.
لكن الكلمة التي كانت ستنهي البحث، ربما كانت ستبدأ خلافًا آخر.
نظر إلى سلمى. كانت تقف بالقرب منه، وقد فهمت من نبرة المكالمة أن الشقة عادت إلى قائمة الاحتمالات، وأن القرار أصبح مطلوبًا قبل أن يتمكنا من زيارة المنطقة الأخرى.
غطّى كريم سماعة الهاتف بيده، وقال:
— يريد ردًّا نهائيًّا الآن. إذا وافقنا، سيحتفظ بالشقة لنا.
سألته سلمى:
— وهل نستطيع أن نذهب إلى المنطقة الأخرى أولًا؟
— لن نلحق. يقول إن هناك شخصًا مستعدًّا لدفع المقدم اليوم.
لم تجبه. لم تكن تريد أن تخسر الشقة لمجرد التمسك برأيها، كما لم تكن مستعدة للموافقة عليها لأن فرصة أخرى قد تضيع. كان عليها أن تعترف بأن التردد له تكلفة أيضًا، وأن البحث عن القرار الأفضل قد يجعل الخيارات المتاحة أقل يومًا بعد يوم.
قالت أخيرًا:
— اسأله إن كان يستطيع الانتظار حتى المساء.
عاد كريم إلى المكالمة، وحاول إقناع صاحب الشقة بمنحهما بضع ساعات. لكن الرجل اعتذر، موضحًا أن لديه التزامات، وأنه لا يستطيع تعطيل الأمر أكثر من ذلك.
أنهى كريم الاتصال، ووضع الهاتف في جيبه.
قال:
— يبدو أننا سنخسرها.
أجابته سلمى:
— ربما. لكنني لا أريد أن نشتري راحة اليوم بمتاعب كل يوم.
لم يبدُ مقتنعًا تمامًا. كان يرى أن الشقة ليست سيئة، وأن الطريق يمكن احتماله، وأن رفضها سيعيدهما إلى نقطة البداية. لكنه تذكر الورقة التي أعدّها، والبنود التي لم يجد لها مكانًا، والوقت الذي لم يدخل في حساباته.
قال بعد صمت:
— لنذهب إلى المنطقة الأخرى كما اتفقنا.
—
لم تكن المنطقة الجديدة كما تخيلها كريم. الشوارع أكثر ازدحامًا، والمباني متقاربة، وبعض العمارات قديمة، والشقق التي تناسب ميزانيتهما محدودة. أما سلمى، فقد وجدت أن الوصول إلى عملها أسهل، وأن وسائل المواصلات متاحة على مسافات قصيرة.
زارا شقتين قبل الظهيرة. الأولى ضيقة، والثانية تحتاج إلى إصلاحات لم يدخلا تكلفتها في الحساب. وفي الثالثة، استقبلهما مالك الشقة، رجل في منتصف الخمسينيات، بدا حريصًا على معرفة طبيعة عملهما قبل أن يتحدث عن الإيجار.
كانت الشقة أصغر من الأولى، لكنها جيدة التهوية، وقريبة من الطريق الرئيسي. لم تكن الشرفة واسعة، ولم يكن المطبخ على الصورة التي رغبت فيها سلمى، إلا أن تقسيم الغرف بدا عمليًّا.
وقفت سلمى في غرفة الجلوس، ثم اتجهت إلى النافذة. كان الشارع مزدحمًا، لكنها استطاعت رؤية موقف المواصلات من مكانها.
أما كريم، فكان يتفقد الجدران ومفاتيح الكهرباء، ويسأل عن المياه والغاز وحالة السباكة. لم يكن يريد أن يكتشف بعد توقيع العقد أن السعر الأقل يخفي وراءه مصروفات إضافية.
سألهما المالك إن كانا قد أعجبا بالشقة.
قال كريم:
— نحتاج إلى مراجعة بعض التفاصيل.
ثم سأله عن قيمة التأمين، ومدة العقد، وإمكانية زيادة الإيجار عند التجديد. كانت أسئلته أكثر تحديدًا مما اعتاد أن يطرح، ولم تقاطعه سلمى هذه المرة. شعرت أنه يتعامل مع الأمر بوصفه قرارًا مشتركًا، لا مجرد صفقة يريد إنهاءها.
بعد انتهاء المعاينة، خرجا إلى مقهى قريب لمراجعة الأرقام.
كانت قيمة الإيجار أعلى قليلًا من الشقة الأولى، كما أن المطبخ يحتاج إلى بعض التجهيزات. لكن تكلفة الانتقال ستكون أقل، ووقت الوصول إلى عمل سلمى أصبح أقصر بكثير. أما كريم، فسيحتاج إلى وقت إضافي للوصول إلى مقر عمله، لكنه يستطيع استخدام طريق مباشر، وإن كان أكثر ازدحامًا في بعض الساعات.
فتح كريم ورقة الحسابات، وبدأ يضيف البنود الجديدة.
قال:
— إذا اخترنا هذه الشقة، فسنوفر في الانتقال، لكن الإيجار سيزيد. وسنحتاج إلى تأجيل شراء بعض الأثاث.
نظرت سلمى إلى الأرقام.
— يمكننا تأجيل غرفة السفرة. لسنا مضطرين إلى شراء كل شيء من البداية.
رفع عينيه إليها.
— كنتِ تريدينها منذ أن بدأنا البحث.
— أريدها، لكنني لا أريد أن نشتريها ثم نقلق من مصاريف الشهر التالي.
ابتسم كريم.
— إذن سنبدأ بطاولة صغيرة.
قالت:
— سنبدأ بما نحتاج إليه، لا بما اعتدنا أن نراه في بيوت الآخرين.
لم يكن الاتفاق كاملًا، لكنه أراحهما قليلًا. ومع ذلك، بقي بند لم يستطيعا تجاهله: المبلغ المطلوب لتأمين الشقة، إلى جانب الإيجار الأول وبعض الإصلاحات الضرورية.
أعاد كريم جمع الأرقام، ثم قال:
— نستطيع تدبير المبلغ إذا قبلنا مساعدة أبي.
لم تعترض سلمى هذه المرة، لكنها سألته:
— هل تحدثت معه عن طبيعة المساعدة؟
— لم نتحدث بعد. لكنه عرض أن يساعدنا.
قالت:
— إذن فلنتحدث معه بوضوح. لا أريد أن نرفض مساعدته لمجرد أننا نخشى الأسئلة، ولا أريد أن نقبلها قبل أن نفهمها.
أومأ كريم. كان يعرف أن الأمر لن يكون سهلًا، لكنه لم يعد يرى الوضوح إهانة لمن يقدم المساعدة.
—
في المساء، جلس كريم مع والده وأخبره أنهما وجدا شقة مناسبة، وأنها أقرب إلى عمل سلمى، لكنها أعلى قليلًا في الإيجار من الشقة السابقة.
استمع الأب، ثم سأله:
— وهل ستأخذانها؟
قال كريم:
— إذا استطعنا ترتيب المبلغ.
ابتسم الأب، وأخبره أنه يستطيع دفع التأمين ومصاريف البداية، ثم أضاف أنه لا يريد منهما أن يحملا نفسيهما فوق طاقتهما.
شكره كريم، لكنه هذه المرة لم يكتفِ بالشكر.
سأله إن كان المبلغ هدية أم قرضًا، وإن كان والده ينتظر استرداده خلال مدة محددة.
نظر الأب إليه قليلًا، ثم قال:
— أعتبره مساعدة لك في بداية حياتك. لن أحدد لك موعدًا للسداد، لكنني أريدك أن تكون قادرًا على الوقوف على قدميك، وألا تجعل اعتمادك عليّ عادة.
شعر كريم بالارتياح. كانت الإجابة واضحة، ولم يكن فيها ما يضعه تحت التزام خفي. ومع ذلك، لم ينهِ الحديث قبل أن يقول:
— أريد أن تعرف أن قرار الشقة سيكون بيني وبين سلمى، وأننا سنختار ما يناسبنا نحن الاثنين.
لم يبدُ الأب منزعجًا كما توقع. قال إنه يتمنى لهما التوفيق، ثم سأله عن المنطقة الجديدة.
حين عرف موقعها، عقد حاجبيه قليلًا.
— أليست بعيدة عن عملك؟
أجاب كريم:
— بعض الشيء، لكنها أقرب إلى عمل سلمى، والمواصلات فيها أفضل.
قال الأب:
— كنت أظن أنك ستختار مكانًا أقرب إلينا. سيكون من الأسهل أن نطمئن عليك.
لم تكن العبارة اعتراضًا صريحًا، لكنها أعادت إلى كريم شعورًا قديمًا. هذه المرة لم يسرع إلى الدفاع عن اختياره، ولم يَعِد والده بأنه سيبحث عن مكان آخر.
قال بهدوء:
— سنظل قريبين بما يكفي للزيارة، لكننا نحتاج إلى مكان يستطيع كلانا أن يعيش فيه براحة.
صمت الأب، ثم هز رأسه. لم يبدُ مقتنعًا تمامًا، لكنه لم يفتح نقاشًا جديدًا.
—
في اليوم التالي، ذهبا إلى الشقة مرة أخرى. هذه المرة لم يتجولا فيها كما يفعل من يبحث عن مكان جميل، بل كما يفعل من يحاول أن يرى تفاصيل حياته المقبلة.
وقفت سلمى في المطبخ، وفتحت النافذة، ثم سألت عن مكان وضع الغسالة. أما كريم فراجع عداد الكهرباء، وتأكد من حالة الأبواب، وسأل المالك عن موعد تسليم الشقة.
كانت هناك أشياء لا تعجبهما، وأخرى لم تكن في حساباتهما. لكنهما لم يحاولا إقناع نفسيهما بأن المكان مثالي. اكتفيا بالسؤال عما إذا كان مناسبًا بما يكفي، وما إذا كانت عيوبه قابلة للتعامل.
عند باب الشقة، قال كريم:
— أعتقد أننا نستطيع أن نبدأ هنا.
نظرت سلمى إلى الداخل مرة أخيرة.
— وأنا أعتقد ذلك، بشرط أن نراجع العقد جيدًا، وألا نتعجل في شراء أي شيء آخر.
ضحك كريم:
— حتى بعد أن نجد الشقة، ستظلين تراجعين كل بند؟
أجابته مبتسمة:
— حتى بعد أن نسكن فيها، سأظل أراجع ما يخصنا معًا.
لم يكن في ابتسامته هذه المرة ضيق. فقد بدأ يفهم أن مراجعة التفاصيل ليست رفضًا للحياة، وأن التخطيط لا يعني انعدام الثقة، بل قد يكون إحدى صور تحمل المسؤولية.
اتفقا مع المالك على حجز الشقة حتى اليوم التالي، ريثما يراجعان العقد ويستكملان المبلغ. لم يعلنا قرارهما للعائلتين بعد؛ أرادا أن يتأكدا من كل شيء أولًا.
لكن حين عادت سلمى إلى منزلها، وجدت أمها قد رتبت لقاءً عائليًّا في نهاية الأسبوع، ودعت بعض الأقارب لمناقشة موعد الزواج والتجهيزات.
قالت لها أمها وهي تضع قائمة الأسماء على الطاولة:
— نحتاج إلى أن نبدأ الترتيبات. لا يمكن أن ننتظر حتى تنتهوا من كل تفصيلة.
أخبرتها سلمى أنهما وجدا شقة، وأنهما يراجعان العقد قبل حسم الأمر.
فرحت أمها للحظة، ثم سألت عن موعد الزفاف.
قالت سلمى:
— لم نحدده بعد.
تغير وجه أمها قليلًا.
— ألم تتفقا على أن يكون خلال ثلاثة أشهر؟
أجابت سلمى:
— اتفقنا أن نراجع قدرتنا على ذلك، لا أن نعلن الموعد قبل أن نتأكد.
وضعت أمها القائمة على الطاولة، وقالت:
— أخشى أن يتحول كل شيء إلى حسابات، ثم نجد أنفسنا نؤجل الزواج مرة أخرى.
لم تجد سلمى ما تقوله. كانت تعرف أن أمها لا تريد السيطرة عليها، لكنها كانت تتمنى لو استطاعت أن تجعلها ترى أن الاستقرار لا يبدأ بإعلان موعد، بل بالاستعداد لتحمل ما يأتي بعده.
—
في المساء، أخبرت كريم بما حدث. استمع إليها، ثم قال إن والده أيضًا بدأ يسأل عن موعد محدد، وإن العائلتين تنتظران خطوة واضحة.
قالت سلمى:
— هل ترى أننا نستطيع تحديد الموعد الآن؟
أجاب بعد تفكير:
— أرى أننا نستطيع تحديده إذا التزمنا بالخطة التي وضعناها. لكنني لا أريد أن نعلن شيئًا ثم نكتشف أننا لم نحسب كل شيء.
قالت:
— إذن نحن متفقان.
ثم سكتت قليلًا، وأضافت:
— لكنني لا أعرف كيف سنشرح ذلك للجميع دون أن يشعروا أننا نرفض مشاركتهم.
نظر كريم إلى هاتفه، حيث كانت رسالة من والده يسأله فيها عن الشقة، ثم قال:
— ربما علينا أن نتوقف عن محاولة جعل الجميع راضين عن كل قرار.
لم تكن العبارة سهلة على سلمى. فقد كانت تحب أسرتها، وتعرف أن رضاهم يعني لها الكثير. لكنها أدركت أن محاولتها المستمرة لتجنب خيبة أملهم جعلتها أحيانًا تؤجل الحديث عن احتياجاتها الحقيقية.
قالت:
— لا أريد أن نخسر أحدًا في الطريق.
أجابها:
— ولا أنا. لكن ربما لن نستطيع أن نمنع كل شخص من الشعور بخيبة أمل، حتى لو لم نقصد إيذاءه.
—
في صباح اليوم التالي، اتصل المالك بكريم وأخبره أن هناك مستأجرًا آخر يريد الشقة، وأنه لن يستطيع الاحتفاظ بها أكثر من ساعات قليلة.
لم يتردد كريم طويلًا. اتصل بسلمى، واتفقا على اللقاء أمام الشقة لمراجعة العقد والتوقيع إذا كانت بنوده كما اتفقا.
وصل كريم أولًا. كان يحمل ملفًا صغيرًا بداخله الأوراق، وراجع بيانات العقد مرة أخرى. وبعد دقائق وصلت سلمى، تحمل حقيبتها ودفتر الحسابات.
صعدا إلى الشقة، وجلسا أمام المالك. بدأ يقرأ البنود، ثم توقف عند مدة العقد وقيمة الزيادة السنوية.
تبادلا النظرات. كانت الزيادة أعلى قليلًا مما توقعا، لكنها لم تكن مستحيلة. طلب كريم تعديل البند، بينما سألت سلمى عن مسؤولية إصلاح الأعطال الأساسية.
لم يبدُ المالك سعيدًا بكثرة الأسئلة، لكنه وافق على مناقشة بعض التعديلات.
وبينما كان كريم يراجع النسخة الجديدة، اهتز هاتف سلمى برسالة من أمها:
«نحتاج إلى إجابة نهائية اليوم. لقد أخبرنا العائلة أن موعد الزواج سيكون بعد ثلاثة أشهر».
قرأت سلمى الرسالة، ثم وضعت الهاتف على الطاولة.
لم تكن قد وافقت على الموعد، ولم تكن أمها قد قصدت أن تضعها أمام أمر واقع. لكن الإعلان سبق الاتفاق مرة أخرى، كما حدث في أمور كثيرة من قبل.
نظر كريم إلى الرسالة، ثم إلى العقد المفتوح أمامه.
كانا على وشك أن يوقعا عقد البيت الذي اختاراه معًا، بينما كان موعد الحياة التي ستبدأ داخله قد أُعلن دون اتفاقهما.
رفع كريم رأسه وقال:
— قبل أن نوقّع، علينا أن نحسم أمرًا آخر.
سألته سلمى:
— أي أمر؟
أجاب:
— هل سنبدأ حياتنا ونحن نعتذر للجميع عن قراراتنا، أم سنتعلم هذه المرة أن نعلن ما اتفقنا عليه نحن، حتى لو لم يكن هو ما ينتظره الآخرون؟
لم تجبه سلمى فورًا.
كانت تعرف أن توقيع العقد سيمنحهما عنوانًا جديدًا، لكنه لن يمنحهما تلقائيًّا القدرة على حماية قراراتهما. وربما كان أصعب ما ينتظرهما لم يعد اختيار الشقة أو تدبير المال، بل مواجهة اللحظة التي يكتشف فيها الأهل أن أبناءهم لم يعودوا يطلبون موافقتهم على كل خطوة.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن البيت الذي اختاراه قد أصبح أقرب إلى الواقع، لكن الاتفاق الذي سيحمي حياتهما داخله ما زال يحتاج إلى اختبار أصعب.






المزيد
كيف أستطيع العودة ! بقلم : سها مراد
الخطوة بقلم عبدالرحمن غريب
رُؤًى سوداء بقلم رؤى خالد محمد.