مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الدمعـة القديمة بقلم سمية عمر عكاشة 

الدمعـة القديمة

بقلم سمية عمر عكاشة

الدمعةُ القديمةُ
ليست تلك التي انحدرتْ من مآقيَّ ذاتَ مساء
تلك انتهتْ إلى منديل
وانطفأت
أمّا القديمةُ حقًّا
فهي التي لم تجدْ سبيلًا إلى الخارج
ظلّتْ معلّقةً بين جفنٍ
وقلب
ثم هبطتْ إلى داخلي
هبوطَ شيءٍ أضاع طريقَ الرجوع
ومنذ ذلك الحين
كلّما ظننتُ أنّي برئت
أحسستُ بها
تُقَلِّبُ في صدري
أوراقَ الحادثة
لا تؤلمني…
بل تُذكّرني
وهذه، لعمري
أشدُّ من الوجع
فالجرحُ الذي يؤلمُك
يمكن أن تطلبَ له دواء
أمّا الذي يذكّركَ بنفسه
كلّما حسبتَ أنك نجوت
فذلك جرحٌ اتخذ من الذاكرةِ مسكنًا
كنتُ أظنُّ أن الحزنَ
صوتٌ يعلو حين نبكي
ثم عرفتُ
ما استوطنَ فينا
حتى فقدنا القدرةَ على تسميته
لهذا لم أبكِ طويلا
صار البكاءُ
ترفًا لا يملكه المنهكون
كنتُ أرتّبُ ملامحي كلَّ صباح
وأخرجُ إلى الناس
بوجهٍ لا يشي بشيء
بينما كانت في داخلي
حكايةٌ كاملة
تعيش بلا لسان
وما أكثرَ ما نجا الإنسانُ
في أعين الآخرين
وهو يهوي في عينِ نفسه
ولم يكن يؤلمني أن أُفتقد
بل أن أكتشف متأخرا
أن بعضَ ما حسبتُهُ عمرا
لم يكن إلا وقت
أحسنتُ إنفاقَهُ على الوهم
كنتُ أُعطي الأشياءَ أسماءَها الجميلة
كي أحتملها
أسمي الانتظارَ وفاء
والصمتَ حكمة
والتعلّقَ رجاء
حتى إذا انكشفَ لي المعنى
وجدتُ أنني كنتُ أؤثّثُ الغياب
وأقيمُ فيه
يا لهذه الروحِ
حين تُحسنُ اختراعَ الأعذار
لمن كسَرَها
كانت تعرفُ الحقيقة
لكنها كانت تؤجّلُ الاعترافَ بها
كما يؤجّلُ المسافرُ فتحَ رسالةٍ
يعرفُ أن في آخرها
خبرًا لا يريده
ثم جاء يومٌ
لم يتغيّر فيه شيءٌ حولي
لكن شيئًا في داخلي
كفَّ عن الانتظار
لا أدري ما الذي حدث
ربما تعبَ القلبُ
من الوقوفِ طويلا
على عتبةٍ لا تُفتح
وربما أدركتُ أخيرا
أن بعضَ الأبواب
لا تُغلَق في وجوهنا
نحن الذين نظلُّ واقفين أمامها
بعد أن يرحلَ أهلُها
عندها فقط
فهمتُ تلك الدمعة
لم تكن تريدُ أن تسقط
كانت تريدُ أن تقول
إن ما يؤلمُك
ليس ما فقدتَهُ وحده
بل ما بقي فيك
من صورةِ نفسك
وأنتَ تظنُّ أنك لن تفقده
فمسحتُ عيني
لا لأمحو الماضي
بل لأردَّ إلى الحاضر
حقَّهُ منّي
ومن يومها
لم أعد أفتّشُ عن خلاصٍ
يمحو الأثر
فالذي نعبره بصدق
لا يُمحى…
إنه يتحوّل
يتحوّلُ الألمُ معرفة
والخذلانُ بصيرة
والدمعةُ القديمة
لغةً لا تحتاجُ إلى بكاء
ولهذا
حين تعودُ الآن
لا أخافُها
أدعها تمرُّ في القلب
كما يمرُّ عابرٌ يعرفُ الطريق
لا يستوقفني
ولا أستوقفه
فقد صار بيني وبينها
من العمر
ما يكفي لأن أفهم
ليست كلُّ دمعةٍ علامةَ انكسار
بعضُ الدموع
تكون آخرَ ما يسقطُ منّا
قبل أن نستعيدَ أنفسنا
وتلك…
هي دمعتي القديمة

الجزائر