المحررة: أميرة أبو القاسم
هو ذاك الذي استوقف الشتاء ليسأله برقةٍ أذهلتنا: ‘مين اللي سلف للسما عيني’.. وكأنما أراد أن يخبرنا بأن القصيدة ليست حبراً، بل هي نظرةٌ صافية نُعيرها للعالم لنراه أجمل.
اليوم، نترك ضجيج الحياة خلفنا، ونقترب من هدوء حرفه، لنلمس ذاك الإحساس المرهف الذي يكتبه لا بأنامله، بل بنبضه. نبدأ حوارنا مع الكاتب الذي يُشبه نسمة باردة في ليلة دافئة، لنبحر معه في عوالمٍ يسكنها الحنين، ونستكشف تلك التفاصيل الصغيرة التي يحولها بلمسته إلى دهشةٍ باقية.
1_ لو اختفى كل شيء حولك إلا ورقة وقلم، ماذا ستكتب عن نفسك؟
لا أعرف ما قد أكتبه عني،
لكن قد يسألني لساني عن ما سبب اختفاء كل شيء، وأعتقد أني لن أجد الإجابة للمرة الثانية، لكن سوف أكتب: “يا رب”.
2_ لكل منا طريقة لتعريف نفسه، وأنت كيف تعرف نفسك للقارئ؟
دائمًا ما أقول: أنا لا أعرفني، ولا أجيد الكلام عن الذات بشكل جيد أو حتى مقبول، فسرعان ما أقول:
“عبدالله علي
شاعر عامية”
ومن ثم أترك القصيدة تقدم التعريف الذي تراه مناسبًا.
3_ إذاً أي أبيات من الشعر تعرفك؟وماذا سيتبقي منك لو صمت الشعر يوماً؟
أعتقد أكثر القصائد التي تشبهني هي “حضن الملايكة”،
قصيدتي عن والدي.
أما عني أنا فلا أعلم، لكن سوف أحاول اختيار حسن إن شاء الله:
أربع حيطان مايلين على كتافي
سكن المصانع ريحته موت صافي
صعبان عليّا إنك متعرفنيش
إذا كان أنا مش لاقي أوصافي
أما لو صمت الشعر، لن يتبقى مني كـ عبدالله سوى أني عبد الله، إلى أن يأذن لي الرحمن بزيارته.
وإن كان بيدي الاختيار أن يبقى من صوتي شيء،
لن أستطيع المفاضلة بين أي حرف من الحروف التي كتبتها، لأني لا أستطيع الكتابة إلا إذا نبض قلبي، وما دام النبض صادقًا، إذن أحب أن يبقى الحرف الذي نُبض به على قيد الحياة.
4_ إذاً فأنت تعتبر الكتابة نجاة لا ترفًا؟
نعم، بل إني أكره من يقول عن الكتابة وسيلة ترفيهية.
نحن تُقص أصواتنا، ولا يبقى منا صوت سوى صوت الموافقة دومًا،
لكن الأقلام هي لسان الكاتب الثاني، فإذا طُوِّع لكي يقول “نعم”، خارت الدنيا فوق رؤوسنا.
أنا أحب الكتابة إذا كانت للنجاة، أو للاعتراض، أو ذات موقف حقيقي صادق بشكل عام،
وأرى أنها سلاح قاسٍ، ولا أعتقد أنه يجوز يومًا ما أن نلعب بالأسلحة.
5- كيف؟
يصعب عليك الحبل في المشنقة
وتقولي حاسس نفس احساسه
وقت اعدام البريء
لو كنت حاسس شئ
ايه اللي جبرك
تقتل الحلم اللي فيك
ويموت ميعرفش الطريق”
بعد هذه الأبيات، لا يسعني إلا أن أسألك: أيهما أقسى على الإنسان، الموت أم الصمت؟
أعتقد أن الموت أحد سبل الرحمة، وهو دعوة من الله عز وجل لكي نلقاه، وأختلف مع من يدعوه بالقسوة، فما هو إلا رسالة طلب استرداد ممتلكات،
فنحن ما إلا أملاك الرحمن.
لكن الصمت هو أشد أعداء الخير على مر العصور.
عندما نزل الوحي على خير البرية سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، قيل له: اقرأ، وهذه لم تكن دعوة قراءة فحسب.
أنا أرى أن القراءة صوت، حينما أنار توهج العالم بالكلام، فطالما الصمت إجباري يكون موتًا في حد ذاته، لكنه الموت الذي يستوجب أن يُلقب بالموت القاسي.
فما أقسى من أن تُقصى من الحياة وأنت حي.
يدعوك الناس للكلام، لكن ولسانك مكبل لا يستطيع أن يقول سوى ما يُطلب منه.
أعتذر عن الإطالة، لكن شعرت ببعض الحرية، فأعلن صوتي رأيه فرحًا، وهذا لدقائق فحسب، فما بالك إن كان الصوت حرًا دائمًا.
6_ أخبرني ما هي النقطة الأكثر وجعًا التي يكتب منها الشاعر؟
عندما يشعر بالهزيمة المطلقة،
الاختناق المصاحب للهزيمة،
أشبه بسحب الروح، لكن بيد شيطان لا ملك الموت.
حينما يشعر الشاعر أن ما يقوله لن يغير شيئًا ولن يقدم شيئًا،
يبدأ السم في التغلغل إلى أن يشل الأنامل.
7_ هكذا تبدأ معركة الكتابة!
لا، بل هكذا تنتهي.
الكتابة وإن كانت صراخًا، إلا أنها تبدأ لأنه صراخ يحمل أملًا،
وإن لم يقدر العقل حتى أن يستوعب ذلك.
لكن لا يكتب القلم إلا وهو يحمل طفيف أمل بأن هناك من سوف يسمعه.
أما الهزيمة فهي عندما يدرك أنه لن يُسمع.
فمثلًا نجد السؤال الدائم للشعراء أو الكتاب بشكل عام: لماذا تكتب؟
دومًا له إجابات عديدة، لكن يشترك في قول “من أجل”،
وهذا في حد ذاته الأمل الذي أعنيه.
أي أننا دائمًا نظن أن هناك سببًا تستطيع أن تصل إليه الكتابة، وإلا ما كتبنا.
أحيانًا تكون الهزيمة الداخلية أشد مرارة من الخارجية،
لكن من رحم الألم يولد النور،
ومهمة فارس القلم الأولى، من وجهة نظري، أن يروض الألم.
8_ وأنت كيف تروض هذا الألم؟ هل بالشعر أم بصمت مؤلم؟
أتمنى من الله أن يوفقني الصبر.
أنا شخص اندفاعي إلى حد كبير عندما يتعلق الأمر بالحق أو العدل، فسرعان ما أصرخ شعرًا أو فعلًا دون أن أدرك العواقب أو ما قد يحدث،
لكن الله يغلفني برعايته، الحمد لله.
9_ أخبرني أي شعور يجبرك على الكتابة رغم رغبتك في الصمت؟ هل هو الظلم؟
أنا لا أرغب في الصمت، لكني لا أجيد الحديث، أو هكذا أعتقد.
أما ما يجبرني على الكتابة، فهو صوت الحق قبل الشعور بالظلم.
في إحدى قصائدي أقول:
(أنا واللي زيي.. ندفع زكاة الشعر بالآه في الكلام)
وأعتقد أن الله منَّ علينا بالشعر كي نكتب، وأرى أن من لا يكتب ويجاهد بصوته بعدما منَّ عليه الله بهبة كبيرة مثل الكتابة بشكل عام، والشعر بشكل خاص،
يجب أن يراجع حسابه مع نفسه.
10_ إذا كان بإمكانك أن تعطي شعرك شخصية، ماذا ستكون؟ وكيف تتحدث عنك؟
سوف يكون شخصًا محبطًا، مليئًا بالخيبات من نفسه قبل أحد آخر،
لكنه رغم انتكاسته يحاول أن ينهض ويجاهد ويغير من نفسه ومن من حوله إلى الأفضل.
أما عني، فأعتقد أنه قد يلومني على تحميله كل هذا العناء.
أتعلَمين؟
لقد شعرت أني أقسو على شعري بتحميله كل هذا العبء.
ماذا إذا كان إنسانًا بالفعل؟ هل كان ليسمعني بهذا الشكل؟
أشعر بتضارب الآن بين التعاطف معه لأنه لا يجيد أن يرفض ما أملي عليه،
وفي ذات اللحظة أحبه لأنه يستطيع سماعي،
وأعتقد أن هذه أنانية، لكني أحاول أن أسمعه أيضًا وألتزم بما يقوله لي.
11_ إذاً متى تشعر أن القصيدة اكتملت؟
عند آخر بيت، أم عندما يهدأ شيء في داخلك؟
أنا أسأل نفسي هذا السؤال كثيرًا، لكن لا أدري في الحقيقة، هي تنتهي حينما تريد الانتهاء.
12_ حدثنا عن عملك الجديد؟ وهل لك أعمال سابقة؟
عملي الجديد “ماشيين بحذف الياء” مع دار نبض القمة للنشر والتوزيع.
في بداية الحديث أريد أن أعتذر لكون الحوار بالفصحى رغم كوني شاعر عامية.
أما بعد،
هذا الديوان هو تجربة مررت بها كاملة، لكن حينما أمعنت النظر وجدت أن هناك الكثير مر بها، أو أن العالم بأكمله مر بها، لكن ندرة صوت الاعتراض جعلتها تمر مرور الكرام.
يبين العنوان للوهلة الأولى أن قالب الديوان هو ميكنة الإنسان أو استبداله، لكن هذا طرف واحد، أما ما بداخله فهو سقوط الإنسانية واستبدالها.
فصارت “أحبك” = كم معك من مال،
وصارت “آسف” = ما مقابل الاعتذار،
حتى الحواس الخمس أصبحوا لا يعملون من كثرة إهمالهم.
لا أريد الحديث في تفاصيل، لكن هذه التجربة هي رحلة انطلقت من الخاص وانفجرت في العام.
لي ديوان سابق “من عمر 12 ساعة” مع دار النور للنشر والتوزيع، تحت رعاية شركة المُر الأدبية، في معرض القاهرة الدولي 2025.
وحاليًا هناك عمل آخر في طوره الأخير قبل الظهور للنور.
13_ لو كانت لك رسالة واحدة تكتبها بالشعر، لمن ستكون؟
سؤال جميل وصعب في ذات اللحظة،
أعتقد:
يا خير البشر كفك ورود ياسمين
ذكرك يحل العقدة من قلبي
نبي ورسول وفيك من الجنة نهر حنين
وانا نفسي أشوفك لو بآلة زمن
يمحي ضيائك من الجبين ذنبي
14_ كيف كانت رحلتك مع دار نبض القمة؟
اتوجه بشكري الى عبدالله محمد على مجهوده معي في كل شيء، وكل من ساهم في نشر الديوان وظهوره للنور،
الأستاذ وليد عاطف مدير الدار،
وكل من كان له يد في إنتاج الديوان.
أما معاملة الدار، فلم أرَ منهم سوى الخير والحسن في المعاملة والسلوك إلى الآن، واهتمامهم بالأدب ورعايته بشكل صادق.
15_ وفي ختام هذا الحوار، كيف تقيّم هذه التجربة؟ وما رأيك بمجلة إيفرست الأدبية؟ وهل تود توجيه رسالة خاصة لها؟
تجربة ممتعة، وأخذت مني وأخذت منها، وأتمنى أن تروق لكل من يضع يده عليها.
أما عن رأيي بمجلة إيفرست ورسالتي لها،
أشكركم على هذا الحوار الممتع، وكم كان مليئًا بالمتعة والاختلاف عن السائد (قص ولزق)، كانت محاوره حقيقية، جميلة، نبيلة، وأتمنى المزيد من التقدم والجمال والنبل لها.
وأشكر بشكل خاص
على حسن الخلق، والنقاش والحوار الممتع،
وأشهد شهادة حق أنه من أجمل النقاشات التي قمت بها أو رأيتها، وأكثرها متعة.






المزيد
في عالم يضج بالتفاصيل البصرية، يبرز المبدعون كحراس للجمال، يحولون الأفكار المجردة إلى واقع ملموس. اليوم، نلتقي بموهبة شابة من قلب مدينة “طنطا”
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
وسط شغفٍ مبكر بالكلمة، وصوتٍ شاب يبحث عن ذاته بين السطور، تكتب سلمى أشرف الديب المعروفة بلقب «بنت الديب»