بقلم/ يحيى القطب
في مقال سابق بعنوان “كما تسقى البذور تربى العقول” ، تحدثنا عن متابعة كل معلومة تلقنها لطفلك، حتى تستقيم الفكرة تماماً في وعيه بكافة احتمالاتها واستنتجاتها، لكن ماذا لو أساء الاستنباط رغم المتابعة؟ وكيف نقوّم السلوكيات المزعجة إن بدت منه؟
بعض الأطفال يصدر منهم سلوكيات مزعجة، هذه السلوكيات لا تولد من فراغ، ولا تنبع من شرٍ أصيل أو نزوع فطري نحو التخريب، بل تنشأ غالبًا بوصفها محاولة يائسة لإثبات الوجود.
الطفل الذي يكسر أو يصرخ أو يفتعل الفوضى لا يقول «أريد الإزعاج»، بل يقول بلغة بديلة «أنا موجود… أريد أن أُرى».
وحين نعجز عن فهم هذه اللغة، نخطئ في الترجمة، فنقابل النداء بالعقاب، أو نستبدل الفهم بالإهمال، فنضاعف الجرح بدل أن نداويه.
الكارثة الأكبر لا تكمن في مرحلة طفولته، بل في المسار الذي قد يُترك فيه إن لم يُعالج مبكرًا.
هذا الطفل، إن كبر دون تهذيب حاجته للانتباه، قد يتحول إلى بالغ مزعج، صاخب، متدخل فيما لا يعنيه، يفرض حضوره بلا لباقة، يحاول لفت الإنتباه إليه لو حتى بالوقاحة…
ذلك لأنه لم يتعلم يومًا كيف يكون مرئيًا بكرامة… وهنا يصبح السلوك مثيرًا للاشمئزاز .
لفت الانتباه حاجة من حاجات النفس البشرية، وهي لا تقل شأنًا عن الطعام والأمان…
لذلك الطفل الذي لا ينال نصيبه الصحي منها، يبحث عنها حيثما وجدها، حتى لو كانت في التوبيخ أو الصراخ أو العقوبة.
فالعقل الطفولي لا يفرّق كثيرًا بين انتباه إيجابي وسلبي، ما دام قد حقق الغاية الكبرى: أن يلتفت إليه الآخرون.
من هنا يصبح العقاب ذاته مكافأة، ويغدو الغضب وقودًا، ويتحول الإهمال إلى مراهنة خطرة، لأن الطفل قد يرفع سقف هذا السلوك إلى حد بلوغ الأذى.
وبالنسبة لفكرة «التجاهل التام» التي يروج لها البعض تبدو في ظاهرها حكيمة، لكنها في باطنها قاصرة إن لم تُحسن ضبط استخدامها.
بلى، إهمال السلوك أحياناً يعتبر علاجاً له… بأن نغض الطرف عن الفعل المزعج، هذا ما دام آمنًا، وأن نلتقط أدق بادرة هدوء أو تعاون، فنكافئها فورًا.
فالعقل الطفولي يتعلم بالترابط، وما يُكافأ يتكرر، وما يُجفف يذبل…
لكن التجاهل المفرط للسلوك، لن يشبع الحاجة للفت ةلانتباه، كمن يكبت ضوضاء الصوت دون معالجة سبب الصراخ…
هنا قد يستنتج الطفل أن وجوده نفسه غير مرئي، فينتقل من افتعال الإزعاج إلى افتعال الخطر، خوفًا من انعدام الحضور! وحينها لن يكون السلوك مجرد مشكلة تربوية، بل نذير لأزمة أعمق.
العلاج الحقيقي يبدأ من الفصل الواعي بين الطفل وسلوكه، إذ يجب أن نراه بوضوح، دون أن نمنح الفعل المشوّه شرعية أو مكافأة… مثل أن نقول له عمليًا، لا خطابيًا؛ أنت مهم، لكن هذه الطريقة أو هذا السلوك ليس مقبولًا.
هذا التوازن الدقيق هو جوهر التربية، لأن الطفل لا يحتاج إلى القسوة ليشعر بالحدود، ولا إلى التساهل ليشعر بالحب، بل إلى وضوح ثابت لا يتذبذب.
كما أن الانتباه المسبق لهذه المعضلة، هو أهم جزء في حلها… فكثير من الآباء لا يلتفتون إلى الطفل إلا عند الخطأ، فيتعلّم – دون قصد – أن الخطأ هو أسرع طريق لاثبات الحضور.
لكن لو منحناه وقتًا معلومًا، ونصيبًا منتظمًا من الاهتمام، ونظرة صادقة، وكلمة دافئة، فإنه سيتعلم أن الهدوء أيضًا جعله مرئياً ومحل اهتماماً، سيتعلم أن السكون ليس مرادفًا للتجاهل.
ويساهم في علاج هذه المشكلة أيضاً؛ تعليم السلوك البديل بطريقة مباشرة… فالطفل لن يتوقف عن فعل معين، إلا إذا عَرَف ما الذي ينبغي أن يفعله بدلًا منه.
وعلى ذلك لا يكفي أن نقول «لا تكسر»، بل يجب أن نقول «إذا فعلت كذا لن تحصل على كذا، وإذا أردت كذا فافعل كذا»، لكن الأهم من القول، هو أن نفي بوعدنا حين يحسن الاخنيار.
إنّ التربية ليست منعًا فقط، بل توجيه، وليست كفًّا عن الخطأ فحسب، بل تدريبًا على الصواب.
مع الوقت ستلاحظ تراجع السلوك الصاخب لأنه لم يعد مجديًا، ويحل محله سلوك أكثر اتزانًا لأنه صار مثمرًا.
إنّ التربية السليمة، ليست إقصاءً ولا تجاهلًا، وليست قمعًا ولا تساهلًا، بل فن إعادة التوازن بين الحاجة والحد، بين الحب والنظام، وبين الإصغاء والتقويم.
من يفهم هذا، لن ينفر من طفل، بل سينقذه من نسخة مستقبلية أكثر قبحًا وأشد وحدة.






المزيد
انترنت الأشياء IOT العالم الرقمي الجديد
ضيف الروح الثقيل
عقلية الفنان