كتبت سهيلة احمد عامر
كانت الساعة تقترب من السادسة مساءً، عندما جلس “طارق” على مقعده المعتاد في المقهى الصغير الذي يزوره كل يوم بعد العمل. المقهى كان في أحد الأزقة الهادئة التي لا يعرفها الكثيرون، حيث الأجواء المريحة وكأن الزمن يمر فيه ببطء. ابتسم وهو يشاهد النادل “حسان” يحضر له كوب القهوة المفضل، بنكهة خاصة من تحضير يدين قديمتين.
كان طارق يفضل أن يبقى وحيدًا هنا، يراقب الحياة من بعيد. لكنه لم يكن يدري أن تلك اللحظة ستكون مختلفة، حين دخلت “سارة” المقهى. فتاة عيونها تعكس الحيرة والمشاعر المتضاربة. كانت تحمل في يدها كتابًا قديمًا يبدو أنها قرأته مرارًا وتكرارًا، وقد حاولت أن تلتقط مكانًا في الزاوية البعيدة.
على غير عادتها، لم تركز سارة على الكتاب كما اعتادت. نظرت إليه للمرة الأولى، وابتسمت بخجل، كأنها اكتشفت شيئًا جديدًا. كانت تلك الابتسامة بالنسبة له أكثر من مجرد تعبير عابر؛ كانت بداية شيء ما في الهواء، وكأن الزمن توقف للحظة.
مرت دقائق، ثم اقتربت منه.
“هل هذا المقعد شاغر؟” قالت بصوت منخفض.
نظر إليها طارق، لوهلة شعر وكأن قلبه توقف عن الخفقان، لكن سرعان ما أومأ برأسه قائلاً: “بالطبع، تفضلي.”
جلست سارة بهدوء، بينما طارق عاد للنظر إلى قهوته، لكنه كان يشعر بشيء غريب يزداد في نفسه. تلك اللحظة التي اعتقد أنه سيعيشها وحيدًا، بدت وكأنها تتغير، كما لو أن شيئًا كان مفقودًا عثر عليه في تلك الابتسامة.
كان الصمت بينهما طويلًا، لكنه كان مريحًا. لم يكن هناك حاجة للكلمات، فقط صوت “حسان” وهو يحضر المشروبات وتكسرات الحديث الخفيف حولهما. ثم سألته سارة فجأة: “هل تؤمن بالصدف؟”
طارق فكر للحظة قبل أن يجيب: “أعتقد أن الحياة أحيانًا تكون محكومة بالصدف، حتى لو لم نكن نراها.”
ابتسمت سارة، وقالت: “ربما.” وأضافت بنبرة غامضة: “أعتقد أن كل لحظة تحمل في طياتها قرارًا غير مرئي، ونحن لا نعرف كيف سيغير ذلك مسار حياتنا.”
كان حديثها يلامس شيئًا في أعماق طارق، كأنه يلمس شيء بعيد لم يكن يدركه من قبل. كان يشعر بأن هذه اللحظة لم تكن مجرد صدفة، بل كانت بداية لفهم جديد عن الحياة والأشخاص.
عندما نهضت سارة لتغادر، تركت في قلبه شعورًا غريبًا، كأن الزمان توقف لحظة ثم استأنف سيره بسرعة. لم يتحدثا كثيرًا، لكن حديثهما القصير كان كفيلًا بتغيير شيء عميق داخله.
خرجت سارة من المقهى بهدوء، بينما بقي طارق جالسًا في مكانه، يعيد التفكير في الكلمات التي قالتها. لم يعرف إن كان سيراها مرة أخرى، لكن تلك اللحظة، بكل بساطتها، كانت لحظة حقيقية بالنسبة له، تملؤها المعاني التي تظل عالقة في الذهن، حتى مع مرور الأيام.
لِـــــــسُهيلة أحمد عامر .






المزيد
البعدُ قتال بقلم مروة الصاوي علي عبدالله
لـو كـان بإمكانـي بقلـم الكـاتبـة نُسيـبة البصـري
أنت وأنا، بشر بقلم مريم أشرف فرغلي