كتبت: ملاك عاطف
‘الناجون من الحرب لا يتكلمون كثيرًا؛ لأن الكلمات تخونهم أمام مشهدٍ واحد،’ وتحفر في وجدانهم أخاديد كتمانٍ تستعر في غصون أيّامهم، فتجعل من روتينهم رمادًا، ومن ساعاتهم سوادًا لا تبين فيه سوى غمامة الفقد التي ترشهم بزخات حزنٍ تخرم أفئدتهم، ثم لا يجدون سوى نسيج البلوى يخيطونها به!
لا يتكلمون؛ لأنّ كلامهم يتكسر في حناجر الوجع قبل أن يجتمع في حجرات العبارات القائمة على سفوح ألسنتهم، ويغرق في صمم العالم، أو يختنق على عتبات شفاههم الشاحبة قبل أن يشق فضاء البوح الملبد بالآهات الثكلى!
لا يتكلمون؛ لأنهم لم يجدوا متسعًا لأحاديثهم في مداد معاجم اللغات أجمع، بل لأن كلامهم قد حفظ كرامته بالصمت، وآثر وقاية نفسه من نزاقة صمغ الاعتياد المتراكم على طبلات آذان العرب المثقوبة بمسامير التخاذل والتقاعص. لا يتكلمون؛ لأنهم عرفوا أن إخوتهم قد آخَوْا ضمائرهم والتماسيح، وغلوا أيادي النصرة إلى أعناق الانهزام، وبسطوها كل البسط إلى عصف المروءة.
لا يتكلمون؛ لأن الكلام لن يشق قساوة قلوبهم المتحجرة، ولأن خلاصهم لا يرجى من غير الله.






المزيد
ثمن النجاة الأشياء التي خسرناها كي نستمر بقلم الكاتب هانى الميهى
لا تتعجل القلوب بقلم ابن الصعيد الهواري
نَزِيفٌ خَارِجَ المَدَار بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي