مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل الرابع – ارتقاء النفس
كتاب وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا بقلم الكاتب هاني الميهى
عنوان الجزء الثالث: دروس الانكسار وضرورات إعادة البناء

لم أكن أدرك أن النفس لا تزدهر بالانتصار وحده، بل بالانكسار أيضًا. كنت أظن أن الانكسار علامة ضعف، وأن من يسعى لتهذيب نفسه لا يليق به أن يشعر بالهزيمة. لكن التجربة كشفت لى أن الانكسار هو المعلم الأكثر صدقًا، والأقسى أيضًا. هو اللحظة التى تتعرّى فيها النفس من كل ادعاءات القوة، وتواجه حقيقتها كما هى، لا كما تتمنى أن تكون.
بدأ هذا الإدراك حين مررتُ بانكسارٍ لم أتوقعه. شعرت أن كل ما بنيتُه فى رحلتى قد اهتز بضربة واحدة. كنت أبحث عن تفسير، ألوم الظروف تارة، وألوم الناس تارة أخرى، إلى أن وقفت أمام الحقيقة التى حاولت تجاهلها: أن الانكسار الذى أصابنى كان من صنع نفسى، لا من صنع العالم.
تساءلت كثيرًا: لماذا تُصيبنا الانكسارات ونحن نحاول أن نرتقى؟ حتى وجدت الجواب فى أعماقى: لأن النفس لا تتغير دفعة واحدة، ولأن الله يختبر صدق نوايانا بما يظهر فى لحظات الضعف. فالارتقاء ليس مجرد رغبة، بل استعداد لتحمّل ما يتطلبه التغيير من ألم، وصبر، وتخلّى.
علّمتنى تلك اللحظة أن النفس حين تُكسَر، لا تنكسر عبثًا. إنما تنكسر لتُعيد ترتيب أولوياتها. كنت مشغولًا بالصعود، غافلًا عن نقاط ضعف ظننتها صغيرة، لكنها كانت تكبر بصمت. الانكسار كان الضوء الذى كشف حجمها، وأجبرنى على مواجهتها، بدلًا من دفنها تحت طبقات من الانشغال والإنكار.
ومن أعظم دروس الانكسار أن الإنسان لا يملك السيطرة المطلقة التى يتوهمها. مهما بلغ من نضج، يبقى داخله جزء هشّ، ينهار لأسباب تبدو تافهة، ويُصاب بما لم يكن فى الحسبان. وهذا الإدراك، رغم قسوته، يحمى الإنسان من الغرور، ويضع قدمه من جديد على أرض الحقيقة.
لكن الانكسار ليس نهاية، بل بداية مختلفة. حين انتهت صدمتى الأولى، بدأت أستعيد ما فقدته، خطوة بعد خطوة. لم أعد أبحث عن صورة مثالية للنفس، بل عن صورة صادقة. لم أعد أهدف إلى أن أصبح شخصًا لا يسقط، بل شخصًا يعرف كيف ينهض حين يسقط.
اكتشفت أن إعادة بناء النفس بعد الانكسار تحتاج إلى ثلاثة أشياء:
أولًا: الاعتراف.
الاعتراف بالخلل، مهما كان صغيرًا أو محرجًا، هو أول لبنة فى البناء الجديد. فالذى يُنكر ضعفه، لا يمكن أن يُصلحه.
ثانيًا: التدرّج.
النفس لا تُشفى بقرارات سريعة، بل بخطوات ثابتة. وكل خطوة صغيرة، إن صدق صاحبها، تكون أكبر من خطوة كبيرة بلا إخلاص.
ثالثًا: الاستعانة بالله.
فى أشد لحظات انكسارى، كنت أردد دعاءً واحدًا: “اللهم أصلح نفسى.” وقد رأيت أثر هذا الدعاء يتسلل إلى قلبى قبل أن يتسلل إلى سلوكى. رأيت كيف يُبدّل الله الاضطراب سكينة، واليأس بصيص أمل، والضياع طريقًا واضحًا.
ولمّا عادت نفسى إلى هدوئها، اكتشفت أن الانكسار منحنى ما لم يمنحنى إياه الانتصار. علّمنى التواضع، وعلّمنى الحذر، وعلّمنى أن أثق بالله أكثر مما أثق بنفسى. فأنا لا أرتقى لأننى قوى، بل لأن الله يرفعنى كلما سقطت، ويُعيدنى إلى الطريق كلما انحرفت.
فى نهاية هذا الجزء، فهمت أن النفس التى تمر بانكسارات صادقة، تصبح أصلب فى الحق، وألطف فى التعامل، وأعمق فى الفهم. فليس كل سقوط هزيمة، وليس كل انكسار نهاية. وبعض الانكسارات، رغم قسوتها، هى العتبة الحقيقية لأول خطوة فى الارتقاء.
الرسالة الختامية للجزء
أعمق دروس النفس لا تُكتب فى لحظات القوة، بل تُحفر فى لحظات الانكسار. والسعيد من جعل انكساره بناءً، لا هدمًا.

#هانيالميهى
#وَنَفْسٍ
وَمَا_سَوَّاهَا