مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل الثامن

حين تصبح الوحدة اختبارًا أخيرًا

اسم الكتاب:

﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

اسم الكاتب:

هاني الميهى

 

الوحدة لا تأتي فجأة.

هي لا تطرق الباب بصوتٍ عالٍ…

بل تتسلل.

تبدأ حين يقلّ الكلام حولك،

حين تختفي الرسائل،

حين يصبح الألم شأنًا خاصًا لا يراه أحد.

ثم تكتشف شيئًا قاسيًا:

أن الناس لا يكرهونك…

لكنهم لا يستطيعون البقاء طويلًا

في مساحة الألم.

في البداية، تظن أن الوحدة عقوبة.

ثم بعد وقت،

تفهم أنها اختبار.

ليس اختبارًا للناس…

بل اختبارًا لك.

لأن الإنسان لا يُهزم حين يُترك وحده…

بل يُهزم حين يفسر وحدته

على أنها نهاية الرحمة.

الوحدة في الضرّ

تشبه غرفة مغلقة.

إما أن تتحول إلى قبر نفسي…

أو تتحول إلى خلوة إعادة بناء.

في الإدارة،

هناك مرحلة تُسمى:

إعادة الهيكلة في الظل.

حين تنهار المنظومة القديمة،

لا يحدث الإصلاح في العلن.

الإصلاح يبدأ في غرفة مغلقة

لا يراها أحد.

وهكذا النفس.

الله لا يعيد تشكيلك

وسط الضجيج.

بل في الصمت.

في الوحدة.

في اللحظات التي لا يصفق فيها أحد

ولا يلاحظ أحد

ولا يفهم أحد.

أيوب لم يكن فقط مريضًا…

كان معزولًا.

العزلة هنا ليست اجتماعية فقط…

بل وجودية.

أن تشعر أن العالم يمضي

وأنت ثابت في مكانك.

أن ترى الحياة تتحرك

وأنت متوقف.

وهنا تبدأ الأسئلة الثقيلة:

هل ما زلت أنا؟

هل ما زالت حياتي؟

هل ما زال لي مكان؟

هذه الأسئلة لا تُقال بصوت…

لكنها تنخر الداخل.

الوحدة تجعل الإنسان يرى نفسه بلا زينة.

لا جمهور.

لا أدوار.

لا أقنعة.

فقط أنت…

وحقيقتك.

وهذا ما يجعل الوحدة اختبارًا أخيرًا:

إما أن ترى ضعفك

فتنهار…

أو ترى ضعفك

فتعود.

في النفس،

الوحدة الطويلة قد تخلق قسوة داخلية.

أن تصبح أقل تعاطفًا مع نفسك.

أن تبدأ تلوم ذاتك بلا رحمة.

أن تقول:

“لماذا أنا؟”

“لماذا لم أكن أقوى؟”

“لماذا لم أتصرف بشكل أفضل؟”

لكن أيوب لم يتحدث بهذه اللغة.

لم يقل:

“أنا مظلوم.”

لم يقل:

“أنا ضحية.”

قال فقط:

﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾

كأنه يضع الألم في حجمه الحقيقي:

هو مسّ…

ليس تعريفًا.

هو مرحلة…

ليس نهاية.

ثم قال الجملة التي تحفظ النفس من الانهيار:

﴿وأنت أرحم الراحمين﴾

هنا تتغير الوحدة.

تصبح الوحدة ليست غياب الناس…

بل حضور الله وحده.

تصبح خلوة لا عزلة.

تصبح اختبارًا للثقة

لا اختبارًا للقدرة.

في الواقع العملي،

القائد الحقيقي يُختبر في لحظات مشابهة:

حين تتراجع النتائج.

حين يقلّ الدعم.

حين يختفي الحلفاء.

حين تصبح المسؤولية ثقيلة بلا تصفيق.

هناك نوعان من القادة:

من ينهار حين يُترك وحده…

ومن يكتشف في الوحدة

نقطة ارتكازه.

 

الوحدة ليست النهاية…

الوحدة هي المرحلة التي تُنزع فيها الأوهام.

في الوحدة تفهم:

أن الاتكاء على الناس محدود.

أن القوة ليست في كثرة الأصوات حولك…

بل في ثبات الصوت داخلك.

وأن الرحمة لا تحتاج جمهورًا…

الرحمة تحتاج قلبًا لا يغلق الباب.

 

رسالة الفصل الثامن

الوحدة في الضرّ ليست عقوبة،

بل خلوة إعادة بناء.

من استطاع أن يرى الرحمة في الصمت

لن يهزمه الغياب أبدًا.

 

تمهيد الفصل القادم

بعد الوحدة،

يأتي الامتحان الأكثر غرابة:

حين يبدأ الفرج بالاقتراب…

لكن النفس لا تصدق.

 

الفصل القادم:

حين تخاف النفس من الشفاء

 

#ربإنيمسني_الضر

#وأنتأرحمالراحمين

#هاني_الميهى

#إدارة_الوحدة

#الصبر_العميق

#القيادة_الذاتية

#رحمة_الله

#إعادة_البناء