مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في هذا الحوار، لا نتوقف عند حدود العمل الأدبي بوصفه منتجًا إبداعيًا فحسب، بل ننفذ إلى ما وراءه؛ إلى الأسئلة التي تسبق الكتابة، والقلق الذي يصاحب الوعي، والتجربة التي تصوغ الكاتب قبل أن يصوغ هو نصه. نحاور الكاتب ورئيس تحرير مجلة إيفرست الأدبية كيرُلس ثروت، في محاولة للاقتراب من رؤيته الفلسفية للأدب، ولمفهومه عن المسؤولية الإبداعية، ودور المجلات الثقافية، والكتابة بوصفها ممارسة وعي لا فعل ترف.

المحرر: أحمد صلاح

 

■ في البداية، أود أن أسألك عن عملك الأخير. كيف جاءتك فكرته؟ وكيف اختمرت وتبلورت على الورق؟

 

– عملي الاخير ملتحفون بالأكفان جائت فكرته حينما بدأت الاحظ الفجوة بين ظواهر الاشياء وباطنها، مما اصابني بنوع من الذهول، وبدأت بعدها اكتب القصص المعبرة عن اكفان الوهم التي تحيط بالانسان فيرى من خارجها اللون الابيض المعبر عن الجمال والنقاء لكنها فى الداخل لا تحتوى سوى على عظام واجساد متحللة!

 

■ أظن من خلال إجاباتك عن سؤالي، أن ذلك العمل له طابع فلسفي عميق. هل ما ظننته صحيح؟

 

– انا خصصت قلمي لهذا النوع من الكتابة وهو كتابة الادب الفلسفي، او بمعني اخر صياغة الفلسفة بطريقة ادبية كي يتقبلها القارىء ويغوص فى المعني الفلسفي بطريقة غير معقدة مثلما نرى في كتب الفلسفة التقليدية

 

■ وبمن من كتاب الأدب الفلسفي تأثرت أفكارك؟

 

– تأثرت ببعض الفلاسفة مثل شوبنهاور الذى كان له دور كبير في تشكيل الوعي النقدي لدي وكانط والفيلسوف الرواقي ماركوس اوريليوس الذي تعلمت الكثير من كتاباته عن الرواقية كان لهؤلاء الثلاثة فضل كبير فى تشكيل جزء من العقل الفلسفي لدي

 

■ وما رأيك في فلسفة نيتشه وأديب مثل ديستيوفيسكي؟ وهل تشكل الوعي الفلسفي في عقلك تسبب بمشكلات في تعاملاتك اليومية؟

 

– نيتشة بالنسبة لي فيلسوف جرىء كان ينطق بما يريد دون ان يخشي احكام المجتمع الذي لم يكن يفهمه في الغالب.

اما دوستيوفيسكي فهو بالنسبة لي ابي الروحي فى الادب وكتاباته مازالت صديقة لي حتي الآن

 

■ وماذا عن المشكلات التي سببها لك وعيك الفلسفي؟

 

– بالطبع ان تملك عقل فلسفي فى مجتمع اغلبه سطحي هو امر اشبه بالكارثة فيوميًا اتلقى الكثير من الاتهامات والاحكام الخاطئة علي وعلي افكاري بسبب عدم الفهم الكامل لكلامي وافكاري

 

■ هل تسمح لي أن أعقب على هذه النقطة تحديدا؟

 

– اكيد

 

■ إن عقل الفيلسوف أشبه بالأشعة تحت الحمراء، فهو يستطيع بوعيه أن يرى ما لا يراه الناس. وذلك غالبًا ما يقحمه في تلك المشكلات. فلا يلومن الفيلسوف من لا يرى بعين عقله.

ذلك وأني أتفق معك تمامًا

 

– لكل إنسان طريقته في التفكير والتعبير، والاختلاف في مستويات التلقي والفهم أمر طبيعي في أي مجتمع، ما يهمني هو وضوح موقفي مع نفسي، لا كثرة التأويلات حوله

 

■ من هذا المنطلق أود أن أسألك، كيف ينعكس هذا التوجه الفلسفي، على رؤيتك لإدارة مجلة أدبية؟

 

– أنظر إلى التوجّه الفلسفي بوصفه إطارًا للرؤية؛ فهو ينعكس في إدارتي للمجلة عبر احترام التعدد، والانحياز للمعنى بغض النظر عن الضجيج الخارجي، وبناء سياسات تحريرية واضحة تُقدِّر العمق دون أن تُقصي البساطة فالفلسفة هنا ليست خطابًا نخبويًا، بقدر ما هي بوصلة تضمن الاتساق، والعدالة في الاختيار، والالتزام برسالة أدبية تُخاطب الإنسان.

 

■ وما الفرق بين أن تكون كاتبًا حرًا، وأن تكون رئيس تحرير يتحمل مسئولية الذوق العام بكل اختلافاته؟

 

– الكاتب الحر يكتب من داخل صوته الشخصي، منحازًا لقلقه وأسئلته ورؤيته الخاصة، ولا يحمل إلا مسؤولية صدقه مع ذاته ونصه.

أما رئيس التحرير، فيتحرك من مساحة أوسع؛ لا يتخلى عن وعيه الجمالي، لكنه يضعه في خدمة الذوق العام بكل تنوعه، فيوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الجرأة والانضباط، ويعمل على خلق مساحة عادلة تتسع للاختلاف.

 

■ هل ترى أن المجلات الأدبية اليوم تقوم بدورها الحقيقي أم أصبحت مجرد منصات للنشر؟

 

– أرى أن المشهد متباين. بعض المجلات لا تزال تؤدي دورها الحقيقي كمساحات لصناعة الذوق، وطرح الأسئلة، وتقديم سياق نقدي يواكب النص ولا يستهلكه.

وفي المقابل، تحوّل عدد غير قليل من المجلات إلى منصات نشر سريعة، تكتفي بعرض النصوص دون مشروع ثقافي واضح. الفارق الجوهري هنا في وجود رؤية تحريرية تُضيف معنى، وتتحمّل مسؤولية الاختيار والتوجيه.

 

■ ما الذي تسعى مجلة إيفرست لترسيخه في المشهد الأدبي؟

 

– تسعى مجلة إيفرست إلى ترسيخ فكرة أن الأدب ليس منتجًا سريع الاستهلاك بقدر ما هو ممارسة وعي وجمال.

نعمل على بناء منصة ذات رؤية تحريرية واضحة، تُقدِّر العمق، وتحتفي بالتجريب دون فوضى، وتمنح الأصوات الجادة مساحة عادلة للحضور. هدفنا هو الإسهام في تشكيل ذائقة نقدية معاصرة، تُنصت للاختلاف وتراهن على القيمة.

 

■ كيف توازن بين قناعاتك الفكرية وحرية أصوات الكتّاب داخل المجلة؟

 

– أن قناعتي الفكرية تمثلني وتعكس تجربتي وفهمي للعالم، لكنها ليست حقيقة مطلقة. أؤمن بنسبية الأمور وأحترم الآراء الأخرى، حتى إذا تعارضت مع قناعاتي، لأن فيها فرصة للتعلّم وإعادة النظر. لذلك، أعتبر نفسي في موقع يتقبّل الاختلاف ويُقدر الرأي الآخر، وأنتقد نفسي قبل أن أنتقد غيري، وأعرض أفكاري بشكل واعٍ قبل أن أفرضها على أي طرف. بهذه النظرة، لا يوجد تحيّز شخصي لأفكاري لكن هناك إدارة عادلة ومسؤولة للمساحة الفكرية داخل المجلة.

 

■ وكيف لتجربتك ككاتب ورئيس تحرير مجلة إيفرست أن تؤثر على تجربتك كمقدم “بودكاست”؟

 

– بالطبع، أنا ككاتب أسبق تأسيس البودكاست، لكن توجهي نحو هذا الشكل جاء من رغبتي في مناقشة مواضيع فكرية وفلسفية بحتة بطريقة أكثر وصولًا للناس. وجدت أن القراءة لم تعد شائعة، وأن كثيرين يفضلون تلقي المعلومة مسموعة، لذلك أسست البودكاست كمساحة للحوار الحقيقي والتفاعل المباشر، لأتعلم من المستمعين كما أقدم لهم، ولكي يتحول النقاش إلى تجربة مشتركة تفيدنا جميعًا قبل أن أضيف أي وجهة نظر مني.

 

■ ومن أبرز المشاركين معك في “البودكاست”؟ ولماذا؟

 

– من أبرز المشاركين معي في البودكاست الدكتور وسيم السيسي، لما يتمتع به من عمق فكري وقدرة على طرح الأفكار بشكل واضح ومباشر، والكاتبة فاطمة ناعوت، التي تضيف بعدًا أدبيًا وفنيًا غنيًا بالنقد والتأمل. اخترت هؤلاء الضيوف لتمثيل تنوع الفكر والثقافة، ولخلق حوارات توازن بين الفلسفة، الأدب، والنقد، بما يثري تجربة المستمع ويجعل النقاش متنوعًا وشيقًا.

 

■ رائع جدًا، أتمنى أن أحل عليك ضيفًا يومًا ما

 

– طبعًا تشرفني جدًا

 

■ ولكن، ما هو حلمك الذي لم يتحقق بعد، ولا تنوي التخلي عنه أبدًا؟

 

– في الواقع، لا أضع لنفسي أحلامًا بعيدة المدى. أرى أن الأحلام أحيانًا قد تُبعدنا عن الواقع، وتجعلنا نعيش على وهم الغد، مما يقلل من متعة الحاضر. أنا أعيش اللحظة، مستمتعًا بها، متأملًا في الماضي، ومتمنّيًا الأفضل دائمًا، لكن دون أن أفقد تقديري للحاضر. لا أؤمن بالثبات أو بالأحلام المضمونة، فكل شيء متغير، وما أتمناه اليوم قد يتغير غدًا مع تغير إرادتي ورغباتي. لذلك، أركز على استثمار كل لحظة في حياتي والاستمتاع بها، بدلًا من رهن سعادتي بتحقيق حلم بعيد قد لا يتحقق أبدًا.

 

■ بماذا تنصح الكُتّاب المبتدئين؟

 

– أنصح الكُتّاب المبتدئين أولًا بالقراءة بعمق قبل أن يبدأوا في الكتابة؛ لأن القراءة تصنع الحس الأدبي والفكري. ثانيًا، لا يخافوا من التجربة والخطأ، فالكتابة رحلة طويلة تحتاج للصبر والمثابرة.

ثالثًا، عليهم أن يكتبوا صدقًا عن ما يعرفونه ويعيشونه وليس ليُعجبوا الآخرين، فالأصالة أهم من كل شىء. وأخيرًا، يجب أن يحتفظوا بالفضول دائمًا، ويسألوا ويفكروا، لأن الكتابة الحقيقية تولد من سؤال مستمر.

 

■ وبمناسبة ذكرك للسؤال المستمر، ما السؤال الذي كنت تود أن أسألك إياه ولم تسأله؟

 

– أود أن تُسألني عن السؤال الكامل الذي ينضج داخلي بعد أن تكسرت في عقلي مئات الأسئلة، والتي يصبح المرء أحيانًا أسيرها حين يكثر في التفكير، ليكشف عن جوهر ما أفكر فيه بالفعل بدل التشظّي بين ألف فكرة صغيرة.

 

■ وهل تعرف صيغته بالفعل؟

 

– صيغة السؤال الكامل هي: “كيف يمكن للمرء أن يلمّ جوهر أفكاره كلها في سؤال واحد بعد أن تتكسّر آلاف الأسئلة في عقله، ويظل صادقًا مع نفسه مع كل هذا التشظّي؟”

أحتفظ به لأنه يمثل رحلة التفكير نفسها، رحلة البحث المستمر عن الفهم والصدق مع الذات، وما زلت لا أجد إجابة له، فهو قائم دائمًا، يرافقني كفضاء مفتوح للتأمل والتعلم المستمر.

 

■ نعم، ربما نحن نحيا من أجل تلك الأسئلة التي لا إجابات لها، ونسعى بكل ما أوتينا من قوة ألا نجيب عليها.

كنت في غاية السعادة أثناء إجراء هذا الحوار الرائع وأتمنى أن يتكرر اللقاء قريبًا. غالبًا كنت أنا المستفيد الأكبر كذلك الجمهور من تلك الجلسة المثمرة.

 

■ شكرًا لك

 

– انا اسعد كان حوار رائع فتحلي افاق جديدة من التفكير والوعي شكرًا جزيلًا

 

 

 

ينتهي هذا الحوار دون أن يُغلق أسئلته، وكأن ذلك هو جوهره الحقيقي؛ فالتجربة التي قدمها كيرُلس ثروت لا تسعى إلى إجابات جاهزة، بل إلى إثارة التساؤل، وتحفيز القارئ على التأمل في دوره الإبداعي والفكري.

كان هذا الحوار بتقديم وإدارة أحمد صلاح، مسلطًا الضوء على فلسفة الأدب ورؤية المجلات الثقافية من منظور رئيس تحرير مبدع، ليكون مصدرًا للإلهام لكل من يسعى إلى التعمق في الكتابة والفكر.