مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في عالم الشعر الفصيح، حيث الكلمات ليست مجرد حروف، بل أرواح تتنفس ومعانٍ تتجسد، يبرز الشاعر سليمان الترباني

تحرير: رحاب عبدالحميد

 

 

بدويٌّ يعزف الفصحى على أوتار الأصالة. نشأ في بيئة متجذرة بالشعر، ليحوّل تفاصيل الحياة الصغيرة إلى قصائد تعكس الصدق الشعوري وتستعيد الدهشة للأشياء المألوفة.

هذه الجولة ليست مجرد لقاء مع شاعر، بل رحلة إلى أعماق لغة فصحى عصريّة، تكشف كيف يمكن للشعر أن يكون مرآة للقارئ، وصوتًا للعاطفة الإنسانية، ونبضًا خالدًا للروح.

 

1- عرف نفسك كما تحب أن يظهر اسمك للجمهور؟

• بدويٌّ يعزفُ الفصحى على أوتارِ الأصالة.

 

2- متى كانت بدايتك الحقيقية مع الشعر؟

•نشأت في بيئة بدوية متجذرٌ بها الشعر، وكما قال الشاعر:

“وَيَنشَأُ نَاشِئُ الفِتيَانُ مِنّا

على مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوه”

 

3- ما الذي يميّز تجربتك الشعرية عن غيرها؟

•التميز في نظري ليس في ابتكار لغة لا يفهمها أحد، بل في إعادة الدهشة للأشياء المألوفة.

تتمحور تجربتي حول “أنسنة التفاصيل الصغيرة”، فقصيدتي لا تبحث عن القضايا الكبرى فحسب، بل تفتش في زوايا الغرف، وفي الصمت الذي يسبق الكلام.

كما أنني أنحاز للصدق الشعوري على حساب التكلف اللغوي، ليكون النص مرآةً يرى فيها القارئ نفسه لا وجه الشاعر فقط.

 

4- حدثنا عن رحلتك في عالم الشعر، وما آخر أعمالك؟

•لقد مرت هذه الرحلة بمحطات من التمرد والتعلم، حاولت فيها أن أصقل أدواتي دون أن أفقد عفوية الشعور، حتى وصلت إلى مرحلة أعتبر فيها القصيدة أمانة لغوية أسعى من خلالها لترك أثر لا يمحوه الزمن.

أما عن آخر أعمالي، فهو ديواني الذي أطلقتُ عليه اسم (آنستُ ناراً). هذا العنوان لم يأتِ من فراغ، بل هو تجسيد لحالتي كشاعر، فقد وقفتُ طويلاً أمام تجارب الحياة وقلق الكتابة، حتى شعرتُ أنني وجدتُ تلك الجذوة التي تستحق أن أُهديها للقارئ.

 

5-إلى أي مدى ترى أن تجربتك الشعرية قد تطوّرت مع الزمن؟

•التطور في تجربتي هو رحلة من “الأنا” إلى “الكل”.

بدأتُ والشعر عندي مرآة تعكس مشاعري الذاتية الضيقة، ومع تراكم التجارب والخيبات والانتصارات، أصبحت القصيدة عندي نافذة أطل منها على الوجود.

تطورت أدواتي الفنية من حيث طواعية البحور الخليلية وليونة الاستعارة، لكني أعتبر التطور الحقيقي هو نجاحي في جعل اللغة الفصحى وعاءً عصرياً يلامس روح القارئ اليوم دون أن يفقد جلاله التاريخي.

 

6-ماذا يمثل الشعر لك اليوم بعد هذه الرحلة الثرية؟

•بعد هذه الرحلة، لم يعد الشعر بالنسبة لي مجرد فنٍّ أمارسه، بل أصبح هويتي التي أعرف بها نفسي أمام العالم.

إنه الوطن الذي ألجأ إليه حين تضيق الجهات، واللغة التي أرتب بها فوضى العالم من حولي.

الشعر اليوم هو تلك المسافة الصادقة بين ما أشعر به وما أقوله؛ إنه محاولتي الأبدية لترميم الروح بجمال الفصحى، وجعل العابر يكتسب صفة الخلود.

7-ماذا تحب أن يبقى في وجدان القارئ بعد قراءة قصائدك؟

•أريد لقصيدتي أن تكون مرآة يرى فيها القارئ تفاصيل لم يجد لها كلمات، فيشعر أنني كتبتُ عنه لا عن نفسي.

الغاية هي تحويل التجربة الشخصية إلى شعور المجتمع بأكمله شعور عابر للزمن.

8- كيف ترى واقع الشعر العربي اليوم، وما الذي يحتاجه ليستعيد حضوره؟

•أرى أنه يجب:

تحديث الوعي لا اللغة فقط: أن يكتب الشاعر بروح العصر وقضاياه، لا بذاكرة الماضي وقواميسه المهجورة.

تجسير الفجوة مع المتلقي: التخلي عن النخبوية المتعالية، وتقديم قصيدة فصحى تمسّ وجدان الإنسان العادي بصدق وبساطة عميقة.

استثمار الفضاء الرقمي: الخروج من دفتي الكتاب إلى رحابة الوسائط البصرية والمسموعة، فالشعر اليوم يُرى ويُسمع بقدر ما يُقرأ.

خلاصة القول: الشعر لا يحتاج إلى “إحياء” لأنه لا يموت، بل يحتاج الشاعر إلى “ابتكار” لغة تليق بضجيج هذا العالم.

9-ما النصيحة التي كنت تود سماعها عندما بدأت تجربتك في الشعر؟

•لو عاد بي الزمن، لقلت لنفسي:

“لا ترتبكي من صمت الجمهور، بل ارتبكي من صمت قصيدتك.”

النصيحة هي أن أمنح تجربتي حقها في النضج على نار هادئة، وألا أركض خلف الأضواء قبل أن يكتمل نضج الشعر، فأن تكتب قصيدة واحدة تعيش للأبد، خير من أن تملأ الدواوين بصداك الذي يشبه الجميع ولا يشبهك.

في عالم الشعر، تبقى الكلمات أجنحة تهبط على روح القارئ، وسليمان الترباني يثبت أن الفصحى ليست مجرد لغة، بل حياة تتنفس فيها


المشاعر، وتجربة تُخلّد في الذاكرة.