فناجين معتقة بقلم الدكتورة زهراء حافظ رحيمه
خزانةُ أمي القديمة،
كانت مطرَّزةً بالذكريات،
تفوحُ منها رائحةُ الورد اليابسِ والعُمرِ الطويل،
وفي زواياها تختبئُ أصواتُ ضحكاتٍ
انطفأت منذ سنين.
كل فنجانٍ فيها يذكّرني
بأيامٍ كنّا نجتمعُ فيها حولها،
نحتسي الشاي الممزوجَ بالمحبة،
ونتنافسُ في سردِ الحكاياتِ الصغيرة
التي لا تشبهُ شيئًا إلا دفءَ البيت.
أنا لا ألوم أمي
إن وقفت كل يومٍ تتأملُ خزانتها،
فهي لا ترى أثاثًا عتيقًا،
بل وجوهًا أحبّتْها ولم تَعُد،
وأصواتًا ما زالت تُناديها من بينِ الرفوف.
تُمرّرُ يدَها على الأكوابِ برفقٍ،
كأنّها تُصافحُ زمنًا راحلًا،
وتلمسُ فناجينَ لم تَبرُد بعد،
تُعيدُ ترتيبَها كما كانت،
خشيةَ أن يضيعَ فيها ترتيبُ الذكريات.
كانت تحتفظُ حتى بالمفطورة،
بقايا فنجانٍ انكسرَ يومَ وُلدَ أولُ حفيد،
تركَ عليه الزمنُ أولَ خُطاه،
فصارَ قطعةً من ذاكرةٍ
لا تُقاسُ بثمنٍ ولا تُعوَّضُ ببديل.
وإلى جانبِ تلك الفناجين،
كانت هناك رسائلٌ ورقيّةٌ
تحملُ في طيّاتها الشوقَ والحنين،
خطوطٌ مرتجفةٌ كأنّها نبضُ قلبٍ على ورق،
وحبرٌ باهتٌ لم يزل يحتفظُ بحرارةِ اليد التي كتبته.
كم من وعدٍ سُكِبَ بين أسطرها،
وكم من دمعةٍ جفّت فوقَ زواياها،
كأنّ الخزانةَ تحفظُ رسائلَ الروحِ لا الأوراق.
وحينَ أسألُها:
لمَ تُبقينَ على كل هذا يا أمي؟
تبتسمُ بهدوءٍ وتقول:
“كل ما في هذه الخزانة عاشَ معنا،
ومن العيبِ أن أودعَ من شاركني العمرَ بالصمت.”
فأجلسُ إلى جانبها،
أراقبُ يديها وهما تفتحان درجًا بعد آخر،
كأنّها تفتحُ قلبها أمامي،
فتتسرّبُ إليّ رائحةُ الأيامِ الأولى،
وأسمعُ في صمتها حديثًا لا يُقال،
حديثَ أم لا زالت تحفظُ تفاصيلَ الوجوه،
وتؤمنُ أن الذكرياتِ لا تموت،
ما دامت هناك خزانةٌ…
وقلبٌ ينتظرُ أن يفتحها كلَّ صباح.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى