مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عقلية الفنان

بقلم/ خالد محمد شعبان

يرتكز أي مجال في عالمنا المعاصر على ثلاث ركائز جوهرية، يشكل كل منها جانباً حيوياً لا يكتمل البناء بدونه وتتمثل هذه الجوانب فيما يلي:
1. الجانب المعرفي والإدراكي:
وهو الوعي الذي يشكل الحصيلة المعرفية المكتسبة في المجال بما يتضمنه من معلومات وقواعد ومبادئ ونظريات أساسية.
2. الجانب المهاري والسلوكي:
ويتمثل في الخبرة العملية والمهارات التطبيقية والتقنيات الأدائية الخاصة التي يمارسها الفرد في مجاله.
3. الجانب الفني والتذوقي:
وهو المدى الذي تظهر فيه البصمة الشخصية والإبداع والإتقان والقدرة على الابتكار والتجديد.
توجد هذه الركائز الثلاث في سائر المجالات سواء كانت علمية أو رياضية أو مهنية، لكنها تتجسد بأبهى صورها في المجالات الفنية.
إذ يعد المنتج الفني أوضح مظهر لانصهار المعرفة والخبرة مع الذوق الرفيع، وبناءً على ذلك يمكننا الاستنتاج بأن لكل فنان طريقة فريدة في التفكير، تعتمد على ثلاثة أدوار ذهنية يتقمصها الفنان حسب المرحلة التي يمر بها أثناء عملية الإنتاج الإبداعي وهذه الأدوار الثلاثة هي:
دور المبدع:
هو الدور الذي يخرج من خلاله الفنان عن المألوف ويأتي بما لم يسبقه إليه أحد وذلك عبر دمج مجموعة من الأفكار والأنماط وتحليلها بأسلوب يصيغ نمطاً جديداً وفريداً، لذا تبرز أهمية هذا الدور في بدايات العمل الفني عند البحث عن “الفكرة”؛ فالتفكير التقليدي المنظم لن يولد أفكاراً استثنائية ومن هنا يُعد المبدع هو المنبع الأول للأفكار ويطللق عليه “مولد الأفكار”
دور الناقد:
في هذا الدور يحاول الفنان تقييم أفكاره وتحليل المشكلات والبحث عن الحلول الممكنة، حيث ترتكز عقلية الناقد على منطق منظم ومنضبط، ويهتم بالدراسة المتأنية للحالة الفنية وتفاصيلها الدقيقة ورغم صعوبة هذا الدور، إلا أن نتائجه دائماً ما تكون عظيمة فبدونه قد يخرج العمل سطحياً أو مفتقراً للإتقان لذا يُسمى هذا الدور “محلل الأفكار”.
دور المنسق:
يهتم هذا الدور بالجماليات والشكليات وأسلوب العرض ومراعاة الظروف المحيطة بالعمل ويسعى المنسق دائماً لجعل العرض في أبهى صورة ممكنة، حيث يغرق في التفاصيل الشكلية والفنيات البسيطة التي تضفي لمسة الجودة النهائية ولذلك يُطلق عليه “محسن الأفكار”.
يتضح مما سبق أن الفنان يفكر بعقول متعددة أثناء عمله على مشروعه ولا يقتصر هذا الوصف على المشاريع الجمالية البحتة كاللوحات والأفلام، بل يمتد ليشمل كل من يعمل في أي مجال ويصل فيه إلى مستوى إبداعي متميز إذ لا بد أنه قد مر بهذه الأدوار جميعاً.
لقد رأيت ذات مرة طبيباً خيَّط جرحاً في يد صديق لي بمحاذاة الخطوط الطبيعية لراحة اليد، لكي لا يُلاحظ أثر الجراحة مستقبلاً هذا الطبيب هو فنان بلا أدنى شك.
تكمن المشكلة الكبرى التي تعيق الفنان عن تقديم حلول إبداعية في “الخلط بين هذه العقليات الثلاث”، فعند تقمص دور المبدع، يجب ألا يتدخل الناقد أو المنسق لكي لا يحدث تشتت أثناء توليد الأفكار، وكذلك الحال عند ممارسة دور الناقد أو المنسق.
فدخول الأدوار الأخرى في غير وقتها يسبب تشويشاً وارتباكاً يمنع التركيز والإنجاز، فإذا بدأ الناقد بتعديل كل كلمة قبل أن يكتبها المبدع، وأراد المنسق تنسيقها في اللحظة ذاتها فلن يتمكن أي منهم من إتمام عمله.
لذا من الضروري لأي فنان في أي تخصص أن يفصل بين هذه الأدوار ويمارس كل واحد منها منفرداً في وقت مخصص له مع الحرص على أخذ فترات راحة بينها، وتساعد هذه الفترات على استيعاب نتائج كل جلسة عمل والتفكير فيها بعمق مما يتيح لكل دور إنهاء مهمته بكفاءة ليخرج العمل الإبداعي للنور في نهاية المطاف كتحفة فنية متكاملة.