بقلم/ خالد محمد شعبان
حين يطرق هذا الضيف أبواب القلوب مستأذناً في السكن، فإنه غالباً ما يقدم وعوداً براقة بالحماية من عثرات الحياة وآلامها؛ فيصدقه المرء طوعاً، وتُبرم بينهما مواثيق الوفاء، ولكن ما إن تستقر له السطوة في حنايا النفس، حتى تتكشف حقيقته؛ فلا يسلم منه جانب من جوانب الحياة، بل إنه يغلّ يد الإنسان عن مواجهة واقعه، ويحبسه في نطاق ضيق من الراحة الزائفة والآمال العريضة.
تتسلل هذه الهواجس لتجعل المرء يتردد في أبسط قراراته، حتى يغتال الثقة، ويقيد مشاعر الحب، ويحجب سكينة الروح، ورغم محاولات المقاومة، غالباً ما يفشل المرء في ردعه؛ إذ يلوّح دائماً بأسطورته الشهيرة: “أشباح القلوب الخاوية”، وهي حيلة نفسية يصدقها الإنسان لقلة الخيارات، ورغم إدراكه لكذبها، إلا أنها تمتلك قدرة فائقة على الإقناع بأساليب ملتوية.
تمر الأعوام وهذا الساكن قابع بين جنبات الفؤاد، يعيث فساداً في المشاعر والقيم، وينشر أعوانه في العقل ليرسموا صوراً مشوهة عن العالم، تجعل المرء يتجنب خوض التجارب أو استعادة الذكريات الجميلة؛ فلا يبقى في الساحة إلا هو، متحكماً في ردود الأفعال والمسارات.
ومع مرور الوقت، يعتاد المرء وجود هذا الساكن الثقيل، ويألف تساؤلاته المريبة حول طبيعة العلاقات الاجتماعية، وينصاع لتعليماته الصارمة التي تبدأ مزعجة ثم تتحول إلى قيود قهرية، تجبر الإنسان على القيام بأفعال لا يرغب بها، مدفوعاً بذات الأسطورة القديمة.
وعندما يبدأ الإدراك بالتسلل إلى الروح، يكتشف المرء أن هذا الساكن لم يكن يهدف إلا لعزله عن أحبته وقطع صلاته بالعالم، وحين يحاول المرء الانتفاض لمقاومته وطرده خارج حدود قلبه، يخرج هذا الساكن بهدوء مستفز، تاركاً خلفه ابتسامة ثقة ويقين بالعودة.
وبالفعل فما هي إلا أيام حتى يجد الإنسان نفسه عائداً إليه مستجدياً عودته، وحينها يهمس الخوف في أذن ضحيته: “أنا نصف الحقيقة في هذا العالم، لا يمكنك الإفلات من قبضتي، فقد صار قلبك مسكني وروحك زادي، فأنا لست هنا لأستولي عليك، بل لأحميك من خطر العالم الداهم”.
وعندما يتساءل المرء في لحظة وعي: “وماذا عن أحبتي؟ لماذا تبعدني عنهم؟”، يأتي الرد واثقاً: “إن عودتك إليّ اليوم باكياً، هي الإجابة الكافية عن سؤالك”.






المزيد
انترنت الأشياء IOT العالم الرقمي الجديد
مرحباً … أنا هنا، هذا الكوكب عليه حياة
عقلية الفنان