“حين تتكلم الصفحات”
بقلم: د. أمجد حسن الحاج*
في عالمٍ تتزاحم فيه الأصوات وتضيع فيه التفاصيل، اختارت هي الصمت، لا ضعفًا، بل امتلاءً. جلست بين جدرانٍ تتنفس الكتب، وتضيء بالحبر كما تضيء الشمس بالنور. هناك، حيث يسكن الفكر وتُخزن الأرواح في صفحات، وجدت ملاذها. لم تكن تقرأ للهروب، بل كانت تنقّب عن ذاتٍ أضاعها الضجيج، تُفتّش عن حكمةٍ تُصلح شروخ القلب، وتُرمّم شتات العقل.
كانت تقرأ كتابًا يحمل عنوانًا يوجع الروح: “قصة صرخة الأم”. رواية لا تحكي خيالًا، بل توثق وجعًا حيًّا لامرأة فقدت صغيرها، لا في غفلةٍ من القدر، بل في لحظة كانت تنبض بكل تفاصيل الأمومة.
كل صفحة تنزف، كل جملة تُشبه نحيبًا مكتومًا،
وهي تُقلّبها بهدوءٍ كمن يلمس جرحًا لا يريد له أن ينفتح، لكنه يأبى أن يندمل.
كل ورقة كانت رسالة،
كل سطر حمل وزن عمرٍ كامل،
وكأنها تجالس روح تلك الأم المكلومة،
تُحادثها دون أن تنطق، وتبكي بصمت لا يراه أحد.
بين دفتي ذلك الكتاب، لم تكن فقط مأساة فقد،
بل درس في الصبر، وحكاية عن قوة من تُحطمها الحياة ثم تعود لتقف.
الكرسي لم يكن مقعدًا فقط، بل منصة عزاء،
والمكتبة لم تكن جدرانًا جامدة، بل حضنًا آمنًا لكل من كسرتهم الحياة.
هي لا تهرب من الواقع، بل تُواجهه بصفحاتٍ تنبض بالحقيقة.
لا تبحث عن الحكاية، بل عن روحها التي تبعثرت في الزحام.
وها هي، تقرأ لتفهم، لتغفر، لتنهض.
“قصة صرخة الأم” ليست كتابًا يُقرأ، بل تجربة تُعاش،
تبكيك، تُطهّرك، وتُعيدك إنسانًا يعرف أن كل أمٍّ تصرخ،
لكن ليس كل أحدٍ يسمع.
واليوم، سمعته هي…
وأدركت أن بين الحبر والدمع، تولد إنسانية جديدة.






المزيد
البعدُ قتال بقلم مروة الصاوي علي عبدالله
لـو كـان بإمكانـي بقلـم الكـاتبـة نُسيـبة البصـري
أنت وأنا، بشر بقلم مريم أشرف فرغلي