مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ثمن الجحيم

Img 20250429 Wa0115

كتبت منال ربيعي 

في عمق الليل، حيث تنكمش الأصوات وتتمدد الذكريات، هناك لحظة يتجرد فيها القلب من كل أقنعته. لحظة تواجه فيها الروح نفسها عارية، بلا زيف ولا مراوغة. وهناك، تحديدًا، وقفتُ أمامك… لا كمن يراك لأول مرة، بل كمن يعرفك منذ خُلق، كأنك طبعة أزلية على جدار روحي.

 

كنتُ أعلم — منذ البدء — أنك خطيئتي. لا ملاك هبط من نور، بل شبح مشتعل يتوسد الظلام. لم تخدعني عيناك، ولم تلبس الحقيقة قناع الحب، بل جاءتني واضحة، جارحة، كنصلٍ جديد. ومع ذلك، ورغم كل تلك الحقيقة التي لطالما قتلت العشاق قبلي، اخترتك.

 

روحي لم تكن جاهلة، ولم تضل السبيل. كانت تعلم جيدًا أن طريقك محفوف بالندم، أن النهاية جحيم قد أحرقتك أنت قبلي، ومع ذلك مشت. مشت إليك كما تمشي الفراشة إلى اللهب، لا بدافع الغباء، بل بدافع العشق، ولذّة الفناء.

 

أحببتك لا كما يحب العاقل، بل كما يعشق التائه الذي لم يجد في الأرض مأوى إلا صوتك، ولا في الكون حضنًا إلا ظلك. أحببتك كمن يفتح نافذة على الإعصار، يعلم أنه سيُقتلع، لكنه لا يتراجع. أحببتك كمن يرى فيك هلاكه… ويشتاق لهلاكه.

 

كل مرة أنظر إليك، ترتجف بداخلي أجراس التحذير، تصرخ روحي: “لا تقتربي!”، لكن قلبي يخطو نحوك بخطى واثقة، كأنه وجد فيك وطنًا، حتى وإن كان وطنًا من نار.

 

كيف لروحي أن تختارك، وهي تدرك أنك حتفها؟ ربما لأنها وجدت فيك الصدق الذي لم تجده في الأمان. ربما لأنها رأت في عينيك وعدًا لا بالنجاة، بل بالاحتراق معًا، وذلك — في نظر العاشق — أجمل من النجاة وحده.

 

لقد صرتَ قدري، لا لأنك المناسب، بل لأنك الحقيقي. فيك التناقض، فيك الشغف، فيك الجنون، وفيك تلك الجرعة القاتلة من الحب التي تُنهي كل شيء… لكنها تبدأ به كل شيء.

 

لن أقول إنك خيبتي، ولا سأكذب فأدعوك نجاتي. أنت خطيئتي المختارة، وجنّتي المؤجلة، وجحيمي الموعود. وأعرف، أعرف أن الثمن سيكون فادحًا… ربما أرواحًا تُستهلك، وربما دمعًا لا ينضب، وربما حياة لا تُشفى… لكن، إن كانت نهايتي فيك، فمرحبًا بالخاتمة.