كتبت: ليلى وائل حسن.
اسمي أحمد. أذهب كل صباح إلى المدرسة بصحبة أصدقائي، وعلى رأسهم صديقي المقرب أيمن. وفي صباح يوم الأحد الماضي، مررنا بجوار الوحدة الصحية في قريتنا، فسمعنا أطباء يتحدثون بقلق: “MRB_2 تسبب في وفاة 21 شخصًا حتى الآن!”
نظرنا إلى بعضنا البعض، لم نفهم معنى هذا الاسم الغريب، وأكملنا طريقنا نحو المدرسة، ونحن نفكر فيما سمعناه. دخلنا الفصل، وقبل بدء الحصة، سألت المعلم سمير عمّا سمعناه. تنهد وقال بجدية: “هذا فيروس جديد منتشر في القرية، خطير وسريع العدوى.” وقبل أن يكمل كلامه، طُرق باب الفصل. فتَح المعلم، فإذا بالمديرة ومعها فريق طبي يحمل لقاحات لتطعيمنا. جلسنا في صف منتظم، وتلقى كل منا جرعته.
بعد انتهاء التلقيح، نظرت إلى أيمن فوجدته شاحب الوجه، يتصبب منه العرق. همس لي بخوف: “أنا خائف جدًا يا أحمد، لهذا أخذت اللقاح مرتين.”
فصدمت وسألته: “كيف تفعل ذلك دون علم الطبيبة؟ هذا خطير، يجب أن تستشيرها فورًا.”
رد مرتجفًا: “لم أكن أعلم… سمعت أن أناسًا ماتوا بسبب المرض.”
حاولت أن أطمئنه، لكنه لم يُعرني انتباهًا، وظل قلقًا حتى نهاية اليوم.
في اليوم التالي، لاحظنا غياب زميلتنا علياء. قلت ضاحكًا: “ربما ما زالت نائمة، أنت تعرف كم تعشق النوم!” ضحك أيمن بدوره، واتفقنا على زيارتها بعد المدرسة. ذهبنا إلى منزلها، لكن والدتها لم تسمح لنا بالدخول. قالت بحزن: “علياء مريضة جدًا، أخشى أن تُعديكم.”
قلت بإصرار: “لكنها أخذت اللقاح معنا!”
فأجابت الأم بصوت متلعثم: “في الحقيقة… لقد كذبت على الطبيبة ولم تأخذ اللقاح.”
صدمنا كلامها، وعدنا إلى منازلنا حزينين.
مرت الأيام، وجاءت الإجازة. أراد أصدقائي الذهاب إلى المصيف، وطلبوا مني مرافقتهم. رفض أبي، لأن المرض ما زال منتشراً. لكنني خططت لأمرٍ آخر… انتظرت أبي حتى ذهب في عمله لثلاثة أيام، و أخبرت أمي أنني سأبيت عند صديقي الذي بقي بمفرده، فوافقت. كنت أكذب عليها!
ذهبنا إلى المصيف، لعبنا كثيرًا، وفي إحدى اللحظات، وبينما كنت أجلس على الشاطئ، لدغني قنديل بحر في قدمي. انتفخت اللدغة بشكل مخيف، لكني تجاهلت الأمر وعدت إلى المنزل.
عاد أبي في المساء، وكنت أرتدي ملابس شتوية وجوربًا في قدم واحدة. لاحظت أمي الأمر، وسألتني: “لماذا ترتدي هذه الملابس والجو حار؟”
حاولت التهرب، قلت: “أشعر بالبرد فقط.”
لكنها لم تقتنع، وحين غفوت، دخلت غرفتي، ورأتني متعرقًا ومغطى بالكامل. أزاحت الغطاء، فرأت اللدغة!
أيقظتني وقالت بقلق: “ما بك يا أحمد؟”
فانهرت واعترفت بكل شيء، وطلبت منها ألّا تخبر أبي. وبعد إلحاح، وعدتني، لكنها قالت: “أبوك سيعرف، عاجلًا أو آجلًا.”
وبالفعل، أثناء العشاء، لاحظ أبي أنني ما زلت أرتدي الجورب، فسألني: “لماذا ترتدي جوربًا؟ الجو حار جدًا!”
ولم أجد مفرًا… خلعت الجورب، وحكيت له القصة كاملة.
نظر إليّ بحنان، وقال: “يا بني، الصدق أمانة، والأمانة هي أساس الثقة بين الناس. حين نكذب، نفقد هذه الثقة، ونفقد أنفسنا. ألا تتذكر صديقتك علياء التي كذبت على الطبيبة؟ ربما فعلت ذلك خوفًا أو جهلًا، لكنها الآن تدفع الثمن.”
ثم أضاف بصوت هادئ: “لا تكن من الذين يكذبون، حتى لو بدا الكذب سهلًا. كن صادقًا دائمًا، فالصدق يُكسبك احترامًا لا يُقدّر بثمن.”
أخفضت رأسي، وقلت بأسى: “أعتذر يا أبي، لن أكرر هذا الخطأ مجددًا. سأكون صادقًا دومًا… حتى لو كلفني الأمر حياتي.”
النهاية






المزيد
على هامش الروح: بقلم: سعاد الصادق
الإعلام رسالة وعي وصوت الحقيقة
قلبٌ مليءٌ نورًا