القنّاص بقلم هاني الميهي
لم يكن القنّاص عاشقًا من طينة الرجال الذين يتحدثون كثيرًا،
بل كان رجل الصمت الهادئ، ذلك الذي يفهم أن الاقتراب من امرأةٍ يشبه دخول معبدٍ لا تُنتهك حرمته بالضجيج.
هو لا يقتحم، ولا يندفع، ولا يستجدي الحضور.
إنما يكتفي بأن يكون هناك،
في المشهد، في الظلّ، في زاويةٍ بعيدةٍ يراها الجميع فارغة، لكنها تمتلئ بنظراته وحده.
كان يدرك أن الأنثى لا تُؤخذ بالعاصفة،
بل تُساق إليها الرياح برفقٍ لا يشعر به أحد.
أنها لا تستجيب للصرخة، بل تلتفت إلى الهمس حين يأتي في التوقيت الصحيح.
لهذا لم يكن يُكثر الكلام،
كان يترك للزمن أن يتحدث نيابةً عنه،
وللأفعال الصغيرة أن تقول ما تعجز القصائد عن قوله.
القنّاص حين يرى فريسته، لا يرفع سلاحه فورًا،
هو يقرأها أولًا:
يقرأ عينيها، طريق حديثها، طريقة صمتها حين يتكلم الآخرون.
يترصّد الخيوط الدقيقة التي تُفصح عن قلبٍ يحاول أن يبدو قويًّا.
فالقنّاص لا يصيب الجسد، بل يصيب النقطة التي لا يراها أحد.
كان يعرف أن الأنثى التي تستحق أن تُقتنص، لا تُصاد كما تُصاد الطيور،
بل تُقنع كما تُقنع الروح بالعودة إلى الطمأنينة.
ولهذا لم يمدّ يده يومًا،
بل مدّ فكره.
لم يبعث برسائل مباشرة،
بل ترك الحضور الخفي يكتبها عنها.
هو لا يقول “أحبّك”،
لكنه يجعلها تشعر بأن كل شيءٍ حولها يتآمر ليقولها بدلًا منه.
حين يبتعد، تفتقد صمته قبل أن تفتقده،
وحين يحضر، تشعر أن وجوده يُعيد ترتيب الفوضى داخلها.
إنه القنّاص الذي لا يطلق رصاصه إلا بعد أن يتيقن أن الفريسة راغبة في الإصابة.
لا يخدع، ولا يساوم،
بل يُدخلها إلى دائرته بهدوءٍ نبيلٍ لا يُشبه الصيد، بل يُشبه الكشف.
وحين تقع، لا تشعر أنها هُزمت، بل تشعر أنها اختارت أن تُهزم أمام رجلٍ عرف كيف يراها كاملة.
القنّاص حين يحبّ، لا يتفاخر،
ولا يبوح،
بل يكتفي باليقين الهادئ: أن ما رآه فيها لم يره أحد،
وأنها، دون أن تدري، كانت تنتظره ليُعيد إليها ثقتها بأن الندرة ما زالت ممكنة.
هو لا يُطيل البقاء،
لكنه لا يُنسى.
يمرّ كالنسمة، ويترك في الروح أثرًا كالعطر لا يُمحى.
فهو لا يملك المرأة لتكون له،
بل ليجعلها تدرك أنها كانت دائمًا جديرة بأن تُرى بهذا العمق.
ذلك هو القنّاص الحقيقي؛
لا يقتل الفريسة، بل يوقظها من سباتها،
ولا يسرقها من نفسها، بل يعيدها إلى حقيقتها.
وما أجمل صيدٍ لا يُراق فيه دم،
بل يُولد فيه وعيٌ جديدٌ للحُبّ،
وعيّ لا يُشبه الغريزة،
بل يُشبه النور الذي يخرج من بين جفون الصمت.
#هانى_الميهى






المزيد
البعدُ قتال بقلم مروة الصاوي علي عبدالله
لـو كـان بإمكانـي بقلـم الكـاتبـة نُسيـبة البصـري
أنت وأنا، بشر بقلم مريم أشرف فرغلي