مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الرفاهية التي أتعبتنا بقلم الكاتب هانى الميهى 

الرفاهية التي أتعبتنا

الكاتب هانى الميهى 

 

الفصل الحادي عشر

كان جدي يملك أشياء أقل…

 

لكنه كان يشتكي أقل أيضًا.

 

بيت صغير.

 

ثياب قليلة.

 

وأحلام بسيطة.

 

ومع ذلك، كان ينام سريعًا، ويضحك من قلبه، ويستيقظ كأن الحياة لم تثقل كتفيه بعد.

 

أما نحن…

 

فنملك أكثر من أي جيل سبقنا.

 

هواتف أذكى.

 

بيوتًا أوسع.

 

طعامًا أكثر.

 

وسائل راحة لا تُحصى.

 

لكن شيئًا غريبًا حدث.

 

كلما زادت الأشياء حولنا…

 

قلّ السلام داخلنا.

 

 


 

صرنا نحتار كثيرًا.

 

أي هاتف نشتري؟

 

أي طريق نسلك؟

 

أي صورة ننشر؟

 

أي حياة نختار؟

 

حتى أبسط القرارات…

 

أصبحت تحتاج إلى تفكير طويل.

 

كأن كثرة الخيارات لم تمنحنا الحرية…

 

بل سرقت منا الطمأنينة.

 

 


 

أتذكر أول مرة اشتريت فيها شيئًا كنت أحلم به.

 

ظللت أيامًا أنتظره.

 

أتخيل شكله.

 

وأفرح قبل أن يصل.

 

وحين وصل…

 

فرحت فعلًا.

 

لكن فرحتي لم تعش طويلًا.

 

بعد أيام قليلة…

 

أصبح شيئًا عاديًا.

 

ثم بدأت أحلم بشيء آخر.

 

شيء أكبر.

 

وأغلى.

 

وأحدث.

 

واكتشفت متأخرًا…

 

أن المشكلة لم تكن في الأشياء.

 

بل في ذلك الجوع الذي لا يشبع داخل الإنسان.

 

 


 

كلما امتلك شيئًا…

 

أراد غيره.

 

وكلما وصل إلى مكان…

 

نظر إلى مكان أبعد.

 

حتى أصبح يعيش عمره كله وهو يركض.

 

لا ليستمتع بما يملك…

 

بل ليحصل على ما ينقصه.

 

وكأن السعادة محطة قادمة دائمًا.

 

ولا تصل أبدًا.

 

 


 

أعرف رجلًا يملك كل شيء تقريبًا.

 

عمل ناجح.

 

سيارة فاخرة.

 

بيت جميل.

 

يسافر كثيرًا.

 

ويظهر أمام الناس كأنه انتصر على الحياة.

 

لكنني رأيته مرة يجلس وحده.

 

صامتًا.

 

ينظر من النافذة طويلًا.

 

ثم قال جملة لم أنسها:

 

“لا أعرف متى أصبحت أملك كل هذا…

 

وأفتقد نفسي بهذا الشكل.”

 

لم يكن فقيرًا.

 

لكنه كان جائعًا لشيء لا يُشترى.

 

 


 

ربما لهذا…

 

أصبحت أؤمن أن الرفاهية ليست أن تملك أكثر.

 

بل أن تحتاج أقل.

 

أن تفرح بما لديك.

 

أن تشرب قهوتك دون أن تفكر فيما ينقصك.

 

أن تنظر إلى حياتك…

 

ولا تشعر أنك متأخر عن أحد.

 

 


 

لسنا متعبين لأن الحياة قاسية دائمًا.

 

أحيانًا…

 

نحن متعبون لأننا نقارن كثيرًا.

 

ونريد كثيرًا.

 

ونطارد كثيرًا.

 

حتى نسينا كيف نجلس مع ما نملك…

 

ونحبه.

 

 


 

الحياة لم تعد فقيرة.

 

لكن القلوب…

 

أصبحت أكثر جوعًا.

 

جوعًا للسكينة.

 

للرضا.

 

للحظة لا نريد بعدها شيئًا آخر.

 

 


 

وربما…

 

لن يكون أغنى الناس هو من يملك كل شيء.

 

بل ذلك الإنسان الذي ينظر إلى حياته،

 

ويبتسم بهدوء…

 

لأنه أخيرًا عرف،

 

أن بعض الرفاهية…

 

قد تتعب القلب أكثر من الحرمان.