الخوف الذي كان يقودني
الكاتب هانى الميهى
لم يكن الخوف يظهر لي بشكل واضح…
لم يكن يقول: “أنا هنا”.
بل كان يرتدي أقنعة كثيرة،
أقنعة تبدو منطقية…
بل أحيانًا… نبيلة.
كنت أظنه حرصًا.
أحيانًا أسميه طموحًا.
وأحيانًا… مسؤولية.
لكن في الحقيقة،
كان الخوف…
هو المدير الفعلي لكل قراراتي.
لم أكن أختار طريقي،
كنت أختار ما يبعدني عن القلق.
وهناك فرق كبير…
بين أن تسير نحو شيء،
وأن تهرب من شيء.
كنت أخاف من التأخر.
لكنني لم أسأل نفسي يومًا:
“التأخر عن ماذا؟”
سؤال بسيط،
لكنه كان كفيلًا بكشف كل شيء…
ولهذا كنت أتجنبه.
الخوف لا يحب الأسئلة،
لأن الأسئلة تكشفه.
هو يفضل أن تبقى مشغولًا،
مرهقًا،
تلهث… دون أن تفكر.
كنت أعيش في حالة استعداد دائم.
كأن هناك خطرًا سيحدث،
وكأن عليّ أن أكون جاهزًا له في أي لحظة.
لكن الغريب…
أن هذا الخطر لم يكن له شكل واضح.
لم يكن هناك شيء محدد أخشاه،
لكنني كنت خائفًا… طوال الوقت.
خوف بلا سبب مباشر،
لكنه حقيقي بما يكفي
ليسرق مني راحتي.
كنت أخاف أن أفشل،
أن أتأخر،
أن أبدو أقل من الآخرين.
لكن خلف كل هذه المخاوف…
كان هناك خوف أعمق:
أن أكون “عاديًا”.
كأن العادية تهمة،
وكأن الحياة لا تُقبل إلا إذا كانت استثنائية.
وهذا الوهم…
كان يستنزفني.
كنت أضغط على نفسي بلا رحمة.
أطلب منها أكثر مما تحتمل،
وأقنعها أن هذا ضروري.
لأن البديل…
كان مخيفًا.
البديل كان أن أهدأ،
أن أقبل نفسي كما هي،
أن أتحرك بوتيرة طبيعية.
وهذا…
كان يبدو كأنه خسارة.
الخوف يجعلك ترى الأمور بشكل مشوّه.
يقنعك أن البطء ضعف،
وأن الراحة كسل،
وأن القبول… استسلام.
كنت أعيش داخل هذه القناعات
وكأنها حقائق.
لم أشك فيها،
لأنني لم أتوقف لأفكر.
وفي كل مرة كنت أشعر بالتعب،
كان الخوف يتدخل فورًا:
“ليس الآن… أكمل.”
وفي كل مرة كنت أفكر في التوقف:
“ماذا لو فاتك كل شيء؟”
هذا السؤال…
كان سلاحي ضدي.
كان كافيًا ليجعلني أتحرك،
حتى وأنا منهك،
حتى وأنا لا أريد.
لم يكن الخوف يمنعني من التقدم،
بل كان يدفعني…
لكن بثمن.
ثمن لم أكن أراه في البداية،
لكنه كان يتراكم في الداخل.
كنت أحقق أشياء،
لكنني كنت أفقد نفسي في المقابل.
وكان الخوف يهمس لي:
“هذا طبيعي… استمر.”
الخوف لا يريدك أن تتوقف،
لأنه يعرف…
أن لحظة الصمت قد تكشفه.
وفي لحظة ما،
بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.
أنني رغم كل هذا الركض،
لم أشعر بالأمان.
كنت أظن أن الإنجاز سيطمئنني،
أن الوصول سيهدئني،
أن السرعة ستحميني.
لكن لم يحدث شيء من هذا.
كلما وصلت لشيء،
ظهر خوف جديد.
كلما تجاوزت مرحلة،
ظهر قلق آخر.
وكأنني أحاول ملء حفرة…
بلا قاع.
وهنا بدأت الحقيقة تظهر،
ببطء…
لكن بوضوح مؤلم:
الخوف لا يختفي بالركض.
الخوف… يتغذى عليه.
كلما أطعتُه،
كبر أكثر.
كلما استجبت له،
زاد نفوذه.
حتى أصبح…
جزءًا مني.
لم أعد أميّز
بين ما أريده فعلًا،
وما يدفعني إليه الخوف.
اختلطت الأمور،
وأصبحت قراراتي…
ردود أفعال.
وفي تلك اللحظة،
ظهر سؤال جديد:
ماذا لو لم يكن هذا طريقي أصلًا؟
سؤال بسيط…
لكنه كان مرعبًا.
لأنه يعني أن كل ما فعلته،
كل ما ركضت من أجله،
قد لا يكون لي.
وهذا…
كان أكبر من أن أتحمله.
لذلك…
فعلت ما كنت أفعله دائمًا:
تجاهلت…
واستمررت.
لكن هذه المرة،
لم يكن التجاهل سهلًا.
لأن شيئًا داخلي
بدأ يستيقظ.
شيء لم يعد يقبل التبرير،
ولا يهدأ بالإنجاز.
بدأت أشعر أنني أفقد السيطرة.
ليس على حياتي…
بل على نفسي.
وهنا فقط،
بدأت أرى بوضوح:
أنني لم أكن أقود حياتي،
بل كنت أقاد…
بشيء لم أواجهه أبدًا.
الخوف…
لم يكن مجرد شعور.
كان نظام تشغيل.
رسالة الفصل:
الخوف قد يمنحك سرعة مؤقتة…
لكنه يسلبك الاتجاه،
ويجعلك تصل… إلى أماكن لم تخترها.
تمهيد الفصل القادم:
ومع كل هذا الركض…
وكل هذا الخوف…
بدأت ألاحظ أنني أمتلك أشياء كثيرة،
لكنني فقدت شيئًا واحدًا…
كان الأهم.






المزيد
لا تقل لا أستطيع ! بقلم سها مراد
على أنغام زمنٍ لم يعد يعاد بقلم خيرة عبدالكريم
شامتي… ودليل البراءة بقلم الكاتبة بثينة الصادق أحمد