بقلم: محمد وهيدي
في كل موسم انتخابات، لا تقتصر المنافسة على الشوارع أو المؤتمرات الجماهيرية فقط، بل تنتقل المعركة بشكل أكبر إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الهواتف المحمولة جزءًا أساسيًا من تشكيل الرأي السياسي لدى المواطنين.
خلال السنوات الأخيرة، تغيّرت طريقة متابعة المجتمع للانتخابات البرلمانية بشكل واضح. فبدلًا من الاعتماد الكامل على البرامج الانتخابية أو اللقاءات المباشرة، أصبح كثير من الناخبين يكوّنون انطباعاتهم من خلال “بوست”، أو فيديو قصير، أو حتى تعليق منتشر على فيسبوك وتيك توك.
السوشيال ميديا لم تعد مجرد وسيلة دعاية، بل تحولت إلى مساحة لصناعة الصورة الذهنية للمرشح. أحيانًا ينجح مرشح في جذب تعاطف المجتمع بسبب طريقة حديثه أو ظهوره القريب من المواطنين، بينما يخسر آخر رغم امتلاكه برنامجًا أقوى، فقط لأنه لم يتمكن من الوصول للجمهور بنفس التأثير.
ومن الناحية النفسية، يعتمد جزء كبير من الحملات الانتخابية الحديثة على التأثير العاطفي أكثر من النقاش السياسي المباشر. فمشاعر مثل الخوف على المستقبل، أو الأمل في التغيير، أو الإحساس بالانتماء، كلها عوامل تؤثر على قرار الناخب بشكل قد يفوق تأثير الأرقام والوعود الرسمية.
كما تلعب البيئة الاجتماعية دورًا مهمًا في تشكيل المواقف السياسية. فالكثير من أفراد المجتمع يتأثرون بآراء الأصدقاء والعائلة والمجموعات التي يتابعونها يوميًا على الإنترنت. ومع تكرار نفس الأفكار والمنشورات، يشعر الفرد أحيانًا أن رأيًا معينًا هو “رأي الأغلبية”، حتى لو لم يكن كذلك في الواقع.
وفي المقابل، خلقت السوشيال ميديا حالة من الاستقطاب السياسي خلال المواسم الانتخابية، حيث تتحول النقاشات أحيانًا إلى خلافات حادة بين المستخدمين، خصوصًا مع انتشار الشائعات والمعلومات غير الدقيقة بسرعة كبيرة.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في زيادة اهتمام الشباب بالسياسة، بعدما كانت الانتخابات بالنسبة للبعض حدثًا بعيدًا عن حياتهم اليومية. اليوم، أصبح النقاش السياسي حاضرًا في كل مكان: على الهاتف، وفي التعليقات، وحتى في النقاشات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي.
ورغم كل ذلك، تبقى انتخابات البرلمان واحدة من أهم أدوات المشاركة السياسية، لأنها تعكس شكل الوعي داخل المجتمع، وتكشف طبيعة تفكير المجتمع، وما القضايا التي تشغلهم، وكيف أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من تشكيل القرار السياسي في العصر الحديث.
وفي النهاية، لم تعد الانتخابات البرلمانية مجرد سباق على المقاعد، بل أصبحت معركة على التأثير والإقناع وتوجيه الرأي العام، في عالم تتحكم فيه سرعة المعلومة وقوة الصورة بقدر ما تتحكم فيه البرامج السياسية نفسها. وقد تكون المعركة الانتخابية اليوم على شاشة الهاتف أكثر مما هي على أرض الواقع، لكن القرار الحقيقي يظل في يد المواطن، وقدرته على التمييز بين التأثير العاطفي والحقيقة.






المزيد