مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الاجتماع الأخير

Img 20250505 Wa0014

 

كتبت: ملاك عاطف

 

في ليلةٍ شتويةٍ عاصفة، قرّرت عقد اجتماع مصارحةٍ في الساعة الثانية عشرة بعد منتصف المشاعر. كتبتُ لها على ورق العشم بخطّ الأمل رسالةً تحوي موعد اللقاء ومكانه، وطويتها بأصابع العتب المحنّاة بزعفران المحبّة، وغلفتها بمظروف الثقة، ثمّ سبقتها إلى حيث سيتمّ اللقاء.

 

دخلتُ قاعة الفضفضة بخطواتٍ مرتجفة، وجلستُ على كرسيٍّ كبيرٍ مكلّلٍ بقماشٍ حريريٍّ حيك بخيوط حرّية التعبير. مرّت دقائق انتظاري ثقيلةً وطويلةً ومجهدة، وفاحت منها رائحة خوفي العفِن.

 

دخلت عليّ بوجهٍ تعلوه ملامح اللا مبالاة؛ فأسرعتُ إليها واحتضنتها بقوّةٍ وحرارةٍ، كأنّ قلبي كان يعرف نبوءة الفراق؛ كأنّ إحساسي كان على علمٍ أنّه سيغادرها إلى صحراء الصمت الممتدة خلف حدود بعادها الآتي. كلّ كياني كان على علمٍ بما سيجري؛ فشبع منها عدا منطقي، ظلّ جاهلًا كالأصمّ في زفّة الخذلان الموعود.

 

جلستُ قبالتها وأفرغتُ حقيبة الكبت التي كادت تشلّ ظهر كتماني. أفرغتها من أكوام التراكمات القاسية، وجمعتها كلّها في سؤالٍ تبحث حروفه برجاءٍ عن مكانتي في قلبها:

“لماذا كنتِ تتظاهرين بحبّي؟”

ولم تجب؛ فأعدتُ السؤال عليها بصيغةٍ بان فيها وجعي:

“لماذا قلتِ للأخريات إنكِ ستتراجعين عشر خطواتٍ إلى الوراء مبتعدةً عنّي، بينما أنا في أمسّ الحاجة إليكِ؟”

 

رمتني بوشاح الخيبة البارد، ولفح أعماقي صقيعُ ردها حين قالت إنّ لا شأن لها بي؛ ثمّ قامت من مكانها، ولم تمهلني ولا حتّى ثانيةً واحدةً لأردّ عليها.

لكنني تابعت حديثي، آخذةً بتذكيرها بأيامنا الخوالي، وبعمر صداقتنا الذي تجاوز العشرين ربيعًا. رفعتُ صوتي حدّ الصراخ بملء فمي، بأقصى طاقتي، بكلّ أوتار حنجرتي، وقلت لها إنّي سأهرب إليها كي تدثّرني بلحاف احتوائها الدافئ حين تحمّني الأيّام وتصيبني قشعريرة الظروف الصعبة.

 

لكنها لم تتوقّف، ولم تسمعني؛ وهطل مطرٌ غزير، وجاءت عاصفةٌ رعديّةٌ أرعبتني.

نسيت أنّها رحلت، وصحت باسمها؛ فارتدّ الصدى حزينًا منكسرًا. أدركتُ عندها أنّه لم يعد لي موقعٌ من الإعراب في جملة حياتها، وخرجتُ من المكان مذعورةً، أركض في زقاق الذكريات، وأذرف شلّالًا من الدمع على الذي كان بيننا، والغيوم تهطل بَرَدًا على رأس إخلاصي وتورّمه.

 

ودنيا السعادة والأنس تدور بعيدًا عني في مدار النسيان.

في تلك الليلة، لم يتغيّر العالم؛ لكنني تغيّرتُ إلى الأبد.

صارت احتياجاتي رفاهيةً مستحيلة المنال؛ وتوقّعاتي هراواتٍ لا تعرف سوى جلد تفاؤلي.

تعلّمتُ أن أربّت على كتفي بنفسي، وأن لا أنتظر شيئًا من أحدٍ؛ كي أمارس الفرح بإتقانٍ إذا أُهديت حبًّا صادقًا أو اهتمامًا.

تعلّمتُ أنّنا جميعًا أوراقٌ على أغصان أعمارِ بعضنا؛ قد نسقط في أيّ لحظةٍ إذا حلّ خريف النهاية.

وفهمتُ أنّ الأقدار لا تتبع هوانا؛ بل تتبع خريطة الإرادة الإلهيّة، ولا تمشي إلّا داخل حدود الخير.

وعاهدت نفسي على حبّها وإرضائها؛ واتفقنا أن نغيّر طريقتنا في اللعب كلّما عجزنا عن تغيير الورق؛ كي نفوز في نهاية المطاف.