مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنا الطفلة التي كانت تُطارد الشمس

Img 20250323 Wa0221(1)

كتبت منال ربيعي 

ما زلتُ أذكرني…

طفلة صغيرة، حالمة، لا تعرف شيئًا عن العالم سوى أن السماء صديقتها،

وأن الضوء رسالةُ حبٍّ تُرسلها السماء كل صباح.

 

كنتُ أستيقظ قبل أن يوقظ العصفور صوته،

أفتح عينيّ على ضوءٍ خافت يتسلّل من خلف النافذة،

فأركضُ حافيةً، أنظر إلى السماء وأُطيل التحديق.

أبحث عن الشمس وهي تتسلّل بخجلٍ خلف التلال،

كأنّها عروس تتزيّن للنور،

وأُراقب القمر، يفرّ من ضيائها،

كأنّه طفلٌ مُشاغب يختبئ في حضن الغيم.

 

كنتُ أرفع يديّ الصغيرتين نحو الشمس،

أُشير إليها، ألوّح لها، كأنّها تعرفني.

كنتُ أتساءل: هل تراني؟

هل تعلم أنّني أنتظرها كل صباح؟

كنتُ طفلةً بأحلامٍ كبيرة،

بشعرٍ كستنائي يميل إلى الحمرة،

وعينين ذهبيتين تحلمان بكلّ شيء،

وقدمين صغيرتين تتسلّقان الجدران كأنّهما تصعدان إلى مجرّة.

 

كان بيتُنا لا يزال في طور البناء،

وكان العمود الأعلى هو مملكتي،

كنتُ أصعده بشغف، أُحاكي الطيور، أُراقب المدينة النائمة،

لا أخاف شيئًا،

فأنا لم أكن أعرف الخوف…

كنتُ أعرف الدهشة فقط،

وأُحسّ بها تتراقص داخلي كأنّها موسيقى لا تنتهي.

 

كنتُ أُحادث القمر،

أُخبره عن أحلامي،

أسأله: لماذا تهرب من الشمس كل صباح؟

وأين تغرب الشمس؟

هل تأكلها وحوشٌ أسطورية؟

أم تذوب في مياه النيل وتعود كل صباح على أجنحة إيزيس؟

كنتُ أعتقد أنّ النيل هو دموعها،

لكن دموعي كانت مالحة…

فكيف يكون ماء النهر عذبًا؟

 

كنتُ أُحبّ رائحة الأرض حين تبتل،

أُراقب حبّات التراب وهي تتلألأ تحت ضوء الشمس،

كنتُ أظنّها نُجومًا سقطت،

وأنّني إن جمعتُ منها ما يكفي، سأصنع بها عقدًا للكون.

 

كنتُ أُرتب النجوم كلّ ليلة،

أُعيد تنظيمها بأصبعي الصغير،

أصنع منها أساور ليديّ،

وتيجانًا للغيم،

وكنتُ أختار نجوم الجبّار،

لأصنع منها تاجًا ناصعًا أضعه فوق رأسي،

وأتخيّلني ملكة المجرّات.

 

كنتُ أُحبّ السكون…

وأخشى الزحام،

كنتُ أُفضّل النجوم على الناس،

والكواكب على الأحاديث،

كنتُ أُؤمن أنّ لكل كوكبٍ لغة،

وأنّني أفهمها دون أن أتعلّمها.

 

كبرتُ…

لكنّ داخلي ما زال طِفلةً تتسلّق العمود في الصباح،

تُحادث الشمس وتخاف من غروبها،

ترسم القمر وتضع عليه أسرارها.

صرتُ أكتب،

أملأ الورق بكلّ الأسئلة التي لم أجد لها جوابًا.

صرتُ أرسم على أطراف الصفحات مجرّاتٍ صغيرة،

وأترك للنجوم مكانًا بين السطور.

 

ما زلتُ وحيدة…

لكنّني لستُ حزينة،

أنا فقط حالمة،

أحمل في قلبي مجرّة من الحنين،

وفي عيوني بقايا من شمسٍ كانت تلوّح لي كلّ صباح.