الحلقة الخامسة عشرة والأخيرة: الحياة التي اخترناها
بقلم: هاني الميهى
ما لم نتفق عليه
لم تكن الرسالة التي وصلت إلى كريم صباح ذلك اليوم طويلة، لكنها كانت كافية لتجعله يؤجل فنجان القهوة الذي اعتاد أن يبدأ به يومه.
كتب مازن:
«نحتاج إلى إجابتك النهائية بشأن الشراكة. لدينا اجتماع مع المستثمرين الأسبوع المقبل، ولا يمكننا تأجيل تشكيل الفريق أكثر من ذلك».
قرأ كريم الرسالة، ثم أغلق الهاتف.
على الجانب الآخر من المدينة، كانت سلمى تقرأ خطابًا رسميًا من إدارة البرنامج التدريبي. لم يعد الأمر قبولًا مبدئيًا أو احتمالًا قابلًا للتفاوض. أصبح عليها أن تختار بين الالتحاق بالبرنامج لمدة ستة أشهر، مع التفرغ الكامل والإقامة خارج القاهرة، أو الاعتذار عن الفرصة والعودة إلى جدول عملها المعتاد.
كان كل شيء واضحًا على الورق.
إلا ما سيحدث بينهما.
—
في المساء، التقيا في المكان نفسه الذي جلسا فيه قبل أسابيع، حين كانا يحاولان فهم معنى الشراكة، ويكتبان على ورقة بيضاء الأسئلة التي لم يناقشاها من قبل.
لم يحضرا الورقة هذه المرة.
قالت سلمى وهي تضع حقيبتها إلى جوارها:
ـ وصلني الخطاب النهائي.
ـ وأنا تلقيت رسالة مازن.
ـ هل حسمت أمرك؟
ـ ليس بعد. وأنتِ؟
ـ ليس بعد.
ابتسم كريم ابتسامة صغيرة.
ـ يبدو أننا لم نتعلم شيئًا.
قالت:
ـ ربما تعلمنا أن عدم الاستعجال لا يعني أن نظل في المكان نفسه.
طلبا القهوة، ثم تركا الحديث قليلًا حتى هدأ ازدحام المكان.
كان كريم قد أمضى الأيام الماضية في مراجعة عرض الشراكة. لم يكتفِ بما قاله مازن في لقائهما الأول، بل طلب نسخة من اتفاق الشراكة، وراجع المسؤوليات المالية، وطبيعة الإدارة، وحدود صلاحياته، ونسب المشاركة في الأرباح والخسائر.
اكتشف أن المشروع يحمل فرصة حقيقية، لكنه لا يخلو من مخاطر. لم يكن منصبًا مضمونًا، بل مسؤولية تتطلب منه أن يبني شيئًا من البداية، وأن يتحمل نتائج قراراته.
قال لسلمى:
ـ عرض مازن أفضل مما توقعت، لكنه يحتاج إلى التزام كامل. سأكون مسؤولًا عن إدارة التشغيل، وعن بناء الفريق، وعن جزء من القرارات المالية.
ـ وهل أنت مستعد لذلك؟
ـ نعم. لكنني لن أقبل قبل تعديل بعض البنود.
ـ مثل ماذا؟
ـ أريد أن تكون صلاحياتي واضحة، وأن تكون هناك آلية لمراجعة النتائج، وألا تتحول الشراكة إلى مسؤولية مفتوحة لا أملك معها حق اتخاذ القرار.
ابتسمت.
ـ يبدو أنك تعلمت من جلسة الأسئلة أكثر مما توقعت.
قال:
ـ تعلمت أن حسن النية لا يكفي في إدارة مشروع، ولا في إدارة حياة.
ضحكت سلمى.
ثم أخرجت خطابها من الحقيبة.
ـ أما أنا، فقررت أن أقبل البرنامج.
لم يبدُ كريم متفاجئًا.
ـ كنت أتوقع ذلك.
ـ سأحتاج إلى إجازة من عملي، وسأقيم خارج القاهرة طوال الأشهر الستة.
ـ هل وافقوا على الإجازة؟
ـ وافقوا مبدئيًا، لكنهم لن يضمنوا لي المنصب نفسه عند عودتي. سأحتفظ بحقي في العودة إلى العمل، لكن طبيعة المسؤوليات قد تتغير.
أطرق كريم قليلًا.
كان يعرف أن القرار ليس سهلًا عليها. لقد أمضت سنوات تبني موقعها المهني، والآن تطلب منها فرصة جديدة أن تترك مساحة مألوفة، وتذهب إلى مكان لا تعرف كيف ستعود منه.
قال:
ـ هل أنتِ خائفة؟
ـ نعم.
ـ من البرنامج؟
ـ من كل ما قد يتغير أثناء غيابي.
نظر إليها.
ـ وأنا خائف أيضًا.
ـ من الشراكة؟
ـ من أن أبدأ شيئًا كبيرًا ثم أكتشف أنني لم أكن مستعدًا له. ومن أن أطلب منكِ الانتظار بينما أرتب حياتي، ثم أكتشف أنني كنت أؤجل حياتك أيضًا.
قالت:
ـ لا أريد أن تنتظرني متوقفًا.
ـ ولا أريدك أن تعودي لتجدي أنني بنيت حياة لا مكان لكِ فيها.
كانت تلك أول مرة يتحدثان فيها عن الخوف دون محاولة إخفائه خلف عبارات مطمئنة.
—
في اليوم التالي، ذهب كريم إلى لقاء مازن.
لم يكن يحمل معه إجابة عاطفية، بل مجموعة من الملاحظات والتعديلات.
استقبله مازن بابتسامة واسعة.
ـ هل جئت لتقول نعم؟
وضع كريم الملف على الطاولة.
ـ جئت لأقول إنني مهتم، لكن هناك نقاطًا يجب أن نتفق عليها قبل التوقيع.
تصفح مازن الأوراق، ثم قال:
ـ كنت أعرف أنك ستفعل ذلك.
ـ لماذا؟
ـ لأنك لم تكن يومًا شخصًا يقبل مسؤولية دون أن يعرف حدودها.
ابتسم كريم.
ناقشا التفاصيل قرابة ساعتين. اختلفا في بعض البنود، واتفقا على أخرى، ثم توصلا إلى صيغة واضحة تمنح كريم صلاحياته الإدارية، وتحدد مسؤوليته المالية، وتضع فترة تقييم للشراكة بعد ستة أشهر.
في نهاية اللقاء، مد مازن يده.
ـ إذن نبدأ؟
صافحه كريم.
ـ نبدأ.
خرج من المكتب وهو يشعر بمزيج من الحماس والقلق. لم يكن قد حصل على ضمانات كاملة، لكنه حصل على اتفاق يعرف حدوده، وعلى فرصة اختارها بعد أن فهم ثمنها.
في المساء، أرسل إلى سلمى:
«وافقت على الشراكة. لكن هذه المرة بعد أن قرأت كل سطر».
جاءه ردها:
«وأنا أكدت قبولي. يبدو أننا سنحتاج إلى أن نتعلم كيف نشتاق دون أن نتوقف عن الحياة».
قرأ رسالتها أكثر من مرة.
ثم كتب:
«سنحاول».
—
لم يكن قرار تأجيل الزواج سهلًا على العائلتين.
عندما أخبر كريم والده بأن سلمى ستغادر ستة أشهر، وأنهما لن يحددا موعدًا جديدًا للزفاف قبل عودتها واستقرار ظروفهما، ظل الأب صامتًا لبعض الوقت.
ثم قال:
ـ ألا تخشى أن تطول المسافة بينكما؟
أجاب كريم:
ـ أخشى ذلك، لكنني لا أريد أن أمنعها من فرصة تستحقها.
ـ وهل ستستطيعان تحمل البعد؟
ـ لا أعرف. لكننا سنتعامل معه كما نتعامل مع أي أمر آخر: بالوضوح، لا بالافتراضات.
قال الأب:
ـ الناس ستتحدث.
ابتسم كريم.
ـ الناس تحدثت عندما لم يكن لدينا موعد، وتحدثت عندما أعلنوا موعدًا لم نحدده. أظن أننا لن نستطيع بناء حياتنا على ما سيقوله الناس.
ضحك الأب للمرة الأولى منذ بداية الحديث.
ـ يبدو أنك تعلمت كيف تجيب عن الأسئلة الصعبة.
قال كريم:
ـ أحاول فقط ألا أترك غيري يجيب عنها نيابة عني.
أما سلمى، فكان حديثها مع أمها أكثر هدوءًا، لكنه لم يكن أقل حساسية.
قالت الأم:
ـ أنا سعيدة بفرصتك، لكنني أخشى أن تنشغلي بحياتك المهنية حتى يصبح الزواج أمرًا مؤجلًا دائمًا.
أمسكت سلمى يد أمها.
ـ لا أريد أن أؤجل الزواج إلى الأبد. لكنني لا أريد أن أدخله وأنا أشعر أنني تركت شيئًا مهمًا خلفي دون أن أحاول.
ـ وهل كريم متفهم؟
ـ نعم. وهو أيضًا لديه قراراته وفرصه.
تنهدت الأم.
ـ أتمنى ألا تندمي.
قالت سلمى:
ـ وأنا أتمنى ألا أندم على شيء لم أحاول فعله.
لم تكن الأم مقتنعة تمامًا، لكنها لم تجادلها. اكتفت بأن رتبت طرف وشاح ابنتها، كما كانت تفعل منذ طفولتها كلما أرادت أن تقول شيئًا ولم تجد له صيغة مناسبة.
—
مر الشهر الأول سريعًا.
بدأ كريم عمله في المشروع الجديد، وكان يومه أطول مما توقع. اجتماعات، ومقابلات، ومشكلات تشغيلية، وقرارات لم يكن معتادًا أن يتحمل مسؤوليتها وحده.
أما سلمى، فقد بدأت برنامجها التدريبي خارج القاهرة. كان المكان جديدًا، والوجوه مختلفة، والجدول مزدحمًا. في البداية، شعرت بالغربة أكثر مما توقعت، ثم بدأت تتعرف إلى زميلاتها، وتكتشف أن المسافة التي كانت تخشاها تحمل أيضًا فرصة لإعادة اكتشاف قدراتها.
كانا يتحدثان كل مساء تقريبًا.
لكن المكالمات لم تكن دائمًا طويلة أو رومانسية.
أحيانًا كان كريم يتصل ليخبرها أن أحد الموظفين ترك العمل فجأة، وأن عليه إعادة توزيع المهام قبل الصباح.
وأحيانًا كانت سلمى تتصل لتشكو من مشروع تدريبي لم تستطع إنجازه في الوقت المحدد.
في إحدى الليالي، اتصلت به متأخرة.
قالت:
ـ هل أنت مستيقظ؟
ـ نعم. ماذا حدث؟
ـ لم أنجح في العرض الذي قدمته اليوم.
ـ ماذا قالوا؟
ـ قالوا إن الفكرة جيدة، لكنني لم أستطع الدفاع عنها كما ينبغي.
صمت كريم قليلًا، ثم قال:
ـ هل تريدين أن أخبرك بما أعتقد، أم تريدين أن أستمع فقط؟
ابتسمت رغم تعبها.
ـ استمع أولًا.
تركها تتحدث. لم يقاطعها، ولم يسارع إلى تقديم الحلول. وحين انتهت، قال:
ـ هل تريدين رأيي الآن؟
ـ نعم.
ـ أعتقد أنك ستعيدين تقديمها بصورة أفضل. لكنني أريدك أن تفكري في سبب ارتباكك، لا في طريقة إخفائه فقط.
سكتت قليلًا.
ـ كنت أتمنى لو كنت هنا.
قال:
ـ وأنا أيضًا. لكنني أريد أن أكون الشخص الذي يفرح بنجاحك، لا الشخص الذي تحتاجين إلى وجوده كي تنجحي.
لم تجبه مباشرة.
كانت تلك جملة لم تسمعها منه من قبل.
وفي اليوم التالي، أعادت تقديم فكرتها، وكانت أفضل مما توقعت.
—
أما كريم، فلم تكن بدايته في المشروع سهلة.
بعد شهرين، اختلف مع مازن حول قرار تشغيلي يتعلق بتقليل عدد العاملين في أحد الأقسام. رأى مازن أن تقليل التكلفة ضرورة لحماية المشروع، بينما رأى كريم أن المشكلة في توزيع المهام وضعف المتابعة، لا في عدد الموظفين.
احتد النقاش بينهما.
قال مازن:
ـ لا يمكن أن تدير المشروع بعاطفتك.
أجابه كريم:
ـ ولا يمكن أن تديره بالأرقام وحدها.
ـ الأرقام لا تكذب.
ـ لكنها لا تشرح كل شيء.
انتهى الاجتماع دون اتفاق.
عاد كريم إلى مكتبه، وظل يفكر في الأمر. كان يعرف أن جزءًا من اعتراضه نابع من حرصه على العاملين، لكنه كان يدرك أيضًا أن المشروع لا يستطيع الاستمرار إذا تجاهل تكلفته الحقيقية.
فتح تقرير الأداء، وبدأ مراجعة البيانات من جديد.
اكتشف أن بعض الأقسام تعاني من ضعف في الإنتاجية بسبب تداخل المسؤوليات، وأن هناك مهامًا يمكن إعادة توزيعها دون الاستغناء عن الموظفين.
أعد مقترحًا جديدًا، وعرضه على مازن في اليوم التالي.
ناقشاه طويلًا، ثم وافق مازن على تنفيذ تجربة لمدة شهر قبل اتخاذ قرار نهائي.
في المساء، أخبر سلمى بما حدث.
قالت:
ـ وهل نجح المقترح؟
ـ سنعرف بعد شهر.
ـ لكنك لم تتنازل عن رأيك.
ـ ولم أصر عليه لمجرد أنني قلته. راجعت الأرقام وغيرت بعض التفاصيل.
قالت:
ـ هذا هو الفرق بين التمسك بالمبدأ والتمسك بالموقف.
ضحك كريم.
ـ يبدو أنك أصبحتِ مدربة إدارية.
ـ لا تقلق. لن أرسل لك فاتورة الاستشارة.
—
في الشهر الثالث، بدأت المسافة تكشف ما لم يكن واضحًا في الأشهر السابقة.
كان كريم يعتاد وجود سلمى في تفاصيل يومه، حتى تلك التي لم يكن يلاحظها. كان يلتفت أحيانًا إلى هاتفه ليخبرها بأمر صغير، ثم يتذكر أنها في محاضرة أو في اجتماع.
أما سلمى، فكانت تكتشف أن بعض الأشياء التي كانت تظنها ضرورية في العلاقة ليست ضرورية بالقدر نفسه، وأنها تستطيع أن تدير يومها وتواجه مشكلاتها دون أن تنتظر رأي كريم في كل خطوة.
لم تكن المسافة سهلة، لكنها لم تكن كارثة أيضًا.
وفي إحدى المكالمات، قالت له:
ـ أشعر أننا تغيرنا.
قال:
ـ هل هذا شيء جيد؟
ـ لا أعرف بعد. لكنني لم أعد أخاف من أن يكون لكل منا يوم مختلف.
ـ وأنا بدأت أفهم أن القرب ليس أن نعرف كل ما يحدث للآخر لحظة بلحظة.
قالت:
ـ لكنه ليس أن نختفي أيضًا.
ـ بالتأكيد.
ثم سألها:
ـ هل ما زلتِ تريدين الزواج؟
ابتسمت.
ـ نعم.
ـ دون تردد؟
ـ أريد أن أتزوجك، لكنني لا أريد أن أعود إلى الطريقة القديمة في التفكير.
قال:
ـ وأنا لا أريد ذلك.
—
انقضت الأشهر الستة.
عاد كريم إلى المنزل مساء يوم الخميس، فوجد على الطاولة ظرفًا صغيرًا يحمل اسمه.
كان من سلمى.
فتحه، فوجد بداخله صورة من حفل ختام البرنامج التدريبي، ورسالة قصيرة:
«انتهت الرحلة التي خفت أن أبدأها. لم تكن سهلة، ولم تكن مثالية، لكنها جعلتني أرى نفسي بصورة أوضح. أريد أن أعود إلى حياتنا، لا إلى الصورة التي رسمناها لها قبل أن نعرف أنفسنا جيدًا».
اتصل بها.
كانت في طريق عودتها إلى القاهرة.
قال:
ـ وصلتِ؟
ـ في الطريق.
ـ هل أتيتِ وحدك؟
ـ نعم. لكنني أحضرت معي شيئًا.
ـ ماذا؟
ـ إجابة عن سؤال قديم.
ابتسم.
ـ أي سؤال؟
ـ ماذا يحدث إذا تعارض طموح أحدنا مع احتياج الآخر؟
لم يتكلم.
قالت:
ـ اكتشفت أننا لا نحتاج إلى أن نختار دائمًا بين الطموح والعلاقة. أحيانًا نحتاج فقط إلى أن نعيد ترتيب الطريقة التي نعيش بها. لكن هذا لا يحدث من تلقاء نفسه.
قال كريم:
ـ وأنا اكتشفت أنني لا أستطيع أن أطلب منك أن تكوني جزءًا من حياتي، ثم أتعامل مع حياتك باعتبارها أمرًا يجب أن يتكيف معي.
ضحكت.
ـ يبدو أننا نملك إجابتين مختلفتين للسؤال نفسه.
قال:
ـ لكنهما لا تتعارضان هذه المرة.
—
بعد أسبوع، التقيا في الشقة التي اختاراها منذ أشهر.
لم تكن قد تغيرت كثيرًا. الأثاث الأساسي في مكانه، وبعض الصناديق ما زالت مغلقة، وستارة تحتاج إلى تعديل، ومصباح في غرفة المعيشة لم يُركب بعد.
وقف كريم في منتصف الغرفة.
قال:
ـ أتذكرين أول مرة جئنا فيها إلى هنا؟
ـ نعم. كنتَ تتحدث عن المسافة إلى العمل، وكنتُ أفكر في عدد الساعات التي سأقضيها في الطريق.
ـ وكنتِ غاضبة لأنني اعتبرت أن الأمر يمكن حله بتغيير موعد الخروج.
ابتسمت.
ـ لأنك لم تكن قد فهمت أن الوقت الذي أخسره في الطريق ليس مجرد وقت.
قال:
ـ كنت مخطئًا.
نظرت إليه.
ـ وأنا كنت أظن أن كل حل لا أقتنع به من البداية هو حل غير عادل.
ـ إذن نحن الاثنان تعلمنا شيئًا.
جلسا على الأرض، أمام صندوق صغير لم يفتحاه من قبل.
فتحه كريم، فظهرت بعض الأوراق القديمة: عروض أسعار، وقائمة أثاث، وصورة لقاعة زفاف، ونسخة من الورقة التي كتبا عليها الأسئلة في ذلك الصباح.
أخرجها وقرأ أول سؤال.
«ماذا يحدث إذا اضطر أحدنا إلى الاختيار بين طموحه الشخصي واحتياج الآخر؟».
قالت سلمى:
ـ أتذكرين كم خفنا من هذا السؤال؟
ـ أتذكر.
ـ وهل أصبح لدينا جواب؟
تأمل كريم الورقة.
ـ أعتقد أن لدينا طريقة للإجابة، لا إجابة واحدة.
قالت:
ـ وما الفرق؟
ـ أن الإجابة الواحدة قد تتغير، لكن الطريقة التي نتعامل بها مع الاختلاف يمكن أن تبقى.
أعاد الورقة إلى الصندوق.
ثم قال:
ـ أريد أن نتحدث عن موعد الزواج.
لم تبدُ سلمى متفاجئة.
ـ وأنا أيضًا.
ـ هل نحدد موعدًا؟
ـ نعم، لكن أريد أن نتفق على شيء قبل ذلك.
ـ ما هو؟
ـ ألا نعود إلى التعامل مع الزواج باعتباره نهاية الاستعداد للحياة. لا أريد أن نضع يومًا للزفاف ونظن أن كل ما بعده سيُحل تلقائيًا.
قال:
ـ أتفق.
ـ وألا نسمح للعائلتين بأن تعلنا عنا ما لم نقرره.
ضحك.
ـ أتفق بشدة.
ثم أضافت:
ـ وألا نعتبر الاختلاف دليلًا على أن أحدنا لا يحب الآخر.
نظر إليها طويلًا.
ـ هذا أهم اتفاق.
مد يده، فأمسكت بها.
لم يكن هناك موسيقى، ولا مشهد استثنائي، ولا وعد بأن الحياة المقبلة ستكون سهلة. كانت هناك شقة لم تكتمل، وقرارات مهنية ما زالت تتطور، ومسؤوليات ستظهر تباعًا، وأيام لن يتفقا فيها على كل شيء.
لكن كان هناك أيضًا شيء لم يكن موجودًا في بداية الحكاية: قدرة حقيقية على الكلام قبل أن يتحول الصمت إلى مسافة.
—
بعد شهر، اجتمعت العائلتان في منزل أسرة سلمى.
هذه المرة لم يحضر أحد بطاقة دعوة جاهزة، ولم يتفق أحد على موعد قبل سؤال العروسين.
جلس الجميع حول الطاولة، وبدأ الحديث بهدوء.
قال كريم:
ـ نريد أن نحدد موعد الزواج بعد شهرين.
ابتسمت والدة سلمى.
ـ أخيرًا.
ثم نظرت إلى ابنتها.
ـ هل هذا قراركما؟
أجابت سلمى:
ـ نعم. واتفقنا على التفاصيل الأساسية، وسنرتب الباقي معًا.
سأل والد كريم:
ـ وهل اخترتما القاعة؟
قال كريم:
ـ لدينا أكثر من اختيار، وسنقرر بعد أن نراجعها.
ضحك الأب.
ـ لن أسبقكما هذه المرة.
ضحك الجميع.
لم تكن ضحكة تمحو ما حدث في السابق، لكنها كانت علامة على أن شيئًا تغير في طريقة التعامل بينهم.
بعد انتهاء اللقاء، خرج كريم وسلمى إلى الشرفة.
قال كريم:
ـ هل تشعرين أن الأمر أصبح حقيقيًا الآن؟
قالت:
ـ كان حقيقيًا منذ البداية. لكننا كنا مشغولين بمحاولة جعل كل شيء مثاليًا.
ـ وهل تظنين أننا سننجح؟
ـ في ماذا؟
ـ في الحياة التي اخترناها.
تأملت الشارع للحظة، ثم قالت:
ـ لا أعرف إن كنا سننجح دائمًا. لكنني أعرف أننا لم نعد ننتظر أن تسير الحياة كما خططنا حتى نكون سعداء.
قال:
ـ وهل هذا يكفي؟
أجابته:
ـ يكفي لنبدأ.
—
في يوم الزفاف، لم يكن كل شيء كما تخيلاه في البداية.
تأخر بعض المدعوين، وحدث ارتباك في ترتيب المقاعد، ونسي أحد الأقارب أن يحضر شيئًا كان قد وعد به، واختلفت العائلتان حول تفصيلة صغيرة في برنامج الحفل.
لكن كريم لم يترك الأمر يتضخم، وسلمى لم تعتبر كل خطأ محاولة جديدة لانتزاع القرار منهما.
كانا يتبادلان النظرات أحيانًا، ويضحكان أحيانًا أخرى، ويتدخلان حين يحتاج الأمر إلى تدخل.
وعندما هدأ الحفل قليلًا، اقترب كريم منها وقال:
ـ هل تذكرين الورقة؟
قالت:
ـ أي ورقة؟
ـ التي كتبنا عليها كل الأشياء التي لم نتفق عليها.
ابتسمت.
ـ نعم.
ـ أظن أننا نسينا أن نكتب سؤالًا مهمًا.
ـ ما هو؟
ـ كيف سنبقى معًا عندما تتغير الإجابات؟
نظرت إليه، ثم قالت:
ـ ربما لأن هذا السؤال لا يُكتب مرة واحدة. نحتاج إلى أن نعيده كلما تغيرت الحياة.
لم يجب.
اكتفى بأن أمسك يدها.
وفي تلك اللحظة، لم يكن أي منهما يفكر في أن الزواج سيمنحه حياة بلا خلافات، أو أن الحب سيجعلهما متفقين دائمًا. كانا يعرفان أن الأيام القادمة ستحمل اختلافات جديدة، وأن بعض القرارات ستحتاج إلى مراجعة، وأن بعض التوقعات ستتغير.
لكنّهما تعلما أن العلاقة لا تُقاس بعدد المرات التي يتفق فيها اثنان، بل بقدرتهما على ألا يحوّلا اختلافهما إلى خصومة، وألا يجعلا التنازل لغة وحيدة للاستمرار.
لم يتفق كريم وسلمى على كل شيء.
لم يصبحا شخصًا واحدًا، ولم يتخلَّ أحدهما عن طريقه كي يضمن بقاء الآخر.
لقد اختارا أن يبدآ حياة مشتركة، وفيها مساحة لكل منهما، ومسؤولية تجاه ما يجمعهما.
كان اسم الرواية «ما لم نتفق عليه»، لكن الحكاية لم تكن عن الأشياء التي عجزا عن الاتفاق بشأنها وحدها.
كانت عن الطريقة التي تعلما بها أن يختلفا دون أن يفقدا احترامهما، وأن يحبا دون أن يلغيا نفسيهما، وأن يختارا دون أن يحمّلا الآخر وحده ثمن الاختيار.
وفي نهاية الطريق الذي بدأ بسؤال صغير عن موعد العمل وزيارة عائلية وميزانية زفاف، اكتشفا أن أصعب ما في الحياة المشتركة ليس أن تتفق مع من تحب على كل شيء.
بل أن تظل قادرًا على رؤيته إنسانًا مستقلًا، حتى وأنت تبني معه حياة واحدة.
النهاية
رسالة الرواية:
لا يبدأ الزواج حين يتفق اثنان على موعد، ولا تنجح العلاقة لأن طرفًا تعلم كيف يتنازل أكثر من الآخر. تبدأ الشراكة الحقيقية حين يدرك كل إنسان أن الحب لا يمنحه حق امتلاك حياة الطرف الآخر، وأن الاستقلال لا يعني الانفصال عنه. ليس مطلوبًا أن تتطابق الرغبات، بل أن يكون لكل اختلاف مكان في الحوار، ولكل قرار مسؤولية مشتركة، ولكل إنسان حق في أن يظل نفسه وهو يختار أن يكون مع إنسان آخر.
ما لم نتفق عليه… لم يكن سببًا كافيًا لنفترق، بل كان سببًا لنتعلم كيف نبقى.






المزيد
ميتامورفوز الرعب بقلم ميسوم صاروطي
لحظة سعادة بقلم سها مراد
فيزياء الروح بقلم ميسوم صاروطي