الحلقة الثالثة: من يدفع ثمن التفاهم؟
الكاتب: هاني الميهى
ما لم نتفق عليه
لم يكن اختيار الأثاث أصعب مما توقعا، لكن الحديث عن ثمنه كشف لهما أن الأشياء التي توضع داخل البيت قد تكون أقل تعقيدًا من الأفكار التي يحملها أصحابها إليه.
جلس كريم إلى جوار سلمى أمام ورقة طويلة دوّنا فيها احتياجات الشقة: غرفة النوم، والأجهزة الكهربائية، وطاولة صغيرة للمطبخ، وستائر لم يتفقا بعد على لونها. كانت الأسعار أعلى مما حسبا، والفرق بين ما ادخراه وما يحتاجانه كافيًا لإفساد حماسهما الأول.
اقترح كريم أن يشتريا الضروريات الآن، ويؤجلا الباقي إلى ما بعد الزواج. ثم أضاف، وهو يعيد جمع الأرقام للمرة الثالثة، أن من الأفضل أن يتحمل هو الجزء الأكبر من التجهيز، على أن تحتفظ سلمى بمدخراتها لمستقبلها.
نظرت إليه بشيء من الاستغراب.
لم يكن اقتراحه مهينًا، بل بدا في ظاهره نوعًا من الحماية. ومع ذلك، شعرت أن وراءه تصورًا لم يناقشاه من قبل؛ تصورًا يجعل مسؤوليته المالية امتدادًا طبيعيًا لدوره كرجل، ويجعل مساهمتها أمرًا يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه.
قالت بهدوء:
— أريد أن أشارك في تجهيز بيتنا، لا لأنك عاجز عن تحمل تكاليفه، بل لأنه بيتنا معًا.
ابتسم كريم، ثم أوضح أنه لا يريد أن يحمّلها ما قد يثقل عليها، خصوصًا أن راتبها لن يكون ثابتًا بالقدر نفسه كل شهر، وأن التزامات الحياة بعد الزواج لن تتوقف عند شراء الأثاث.
كان كلامه منطقيًا. وهذه تحديدًا هي المشكلة؛ فقد كان لكل منهما منطق يستطيع الدفاع عنه، لكنهما لم يكونا يناقشان الأرقام وحدها.
سألته سلمى إن كان يفضّل أن تتساوى مساهمتهما في كل شيء، أم أن يتقاسما المسؤولية وفق قدرة كل منهما. توقف قليلًا قبل أن يجيب. لم يكن قد فكّر في الفرق بين الأمرين، وكان يظن أن العدل يعني أن يدفع أكثر من يستطيع، بينما كانت تخشى أن تتحول قدرته الأكبر، مع مرور الوقت، إلى حق ضمني في اتخاذ القرار.
قال كريم:
— لا أريد أن أشعر يومًا أنني أتحمل وحدي مسؤولية البيت.
أجابته:
— وأنا لا أريد أن أشعر يومًا أن مشاركتي تمنحني حقًا في المصروفات فقط، بينما تبقى القرارات من حقك وحدك.
ساد الصمت. كانت الورقة بينهما مليئة بالأرقام، لكن أيًّا منهما لم يجد فيها إجابة عن السؤال الذي بدأ يتشكل في داخله.
تذكّر كريم والده، الذي ظل سنوات يكرر أن الرجل مسؤول عن بيته، وأن المرأة لا ينبغي أن تُرهق نفسها بما يستطيع زوجها القيام به. لم يكن يريد استنساخ حياة والديه، لكنه اكتشف أنه ورث بعض قواعدها دون أن يختبر مدى صلاحيتها لحياته الجديدة.
أما سلمى، فتذكرت والدتها التي عملت طويلًا، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى تبرير كل مصروف لا يراه زوجها ضروريًا. لم تكن تخشى الفقر بقدر ما تخشى أن تبدأ حياتها بتنازل صغير، ثم تكتشف بعد سنوات أنه أصبح قاعدة لا يجوز الاعتراض عليها.
لم يكن أي منهما يريد ظلم الآخر. ومع ذلك، كان كل واحد منهما يحاول حماية نفسه بالطريقة التي تعلمها قديمًا.
أغلقت سلمى دفتر الأسعار، وقالت إنهما يستطيعان تأجيل الشراء يومين، لا لتغيير الأرقام، بل ليتفقا أولًا على معنى المشاركة بينهما. لم يعترض كريم، لكنه لم يشعر بالارتياح أيضًا. كان يريد أن يمنحها الأمان، وبدأ يخشى أن تكون طريقته في منحه مختلفة عن الطريقة التي تحتاجها.
وقبل أن يغادرا، رن هاتفه. كانت أمه تسأله عن موعد شراء الأثاث، ثم أخبرته أنها تحدثت مع أحد المعارف الذي يستطيع توفير غرفة نوم بسعر مناسب، وأنها وعدته بأن يتصل بها كريم في اليوم التالي لإتمام الاتفاق.
نظر إلى سلمى، ثم إلى الورقة المطوية بين يديها.
لقد اتفقا للتو على ألا تُتخذ القرارات نيابة عنهما، لكن قرارًا جديدًا كان قد اتُّخذ بالفعل، بحسن نية هذه المرة أيضًا.
ولم يعرف كريم كيف يخبر أمه أنه لم يعد يستطيع أن يَعِد باسم بيت لم يصبح بيته وحده بعد.






المزيد
عندما اصبح جزء مني بقلم خنساء الهادي
جراح غيابك بقلم سمية عمر عكاشة
يوم لا أريد تذكره بقلم سها مراد