لا ترسم لهم الطريق
بقلم: هاني الميهي
كان الأب يفتح درج مكتبه كل ليلة، ويُخرج منه أوراقًا قديمة كتب عليها يومًا خططه الكبيرة. وظيفة كان يحلم بها، ومشروع ظن أنه سيغيّر حياته، وأشياء كثيرة رتّب لها سنواته، ثم مضت السنوات في اتجاه آخر.
لم يكن ينظر إلى الأوراق بحزن واضح، بل كان يعيد طيّها بعناية، كأنها ما زالت تستحق مكانها في الدرج، حتى وإن لم تجد مكانًا في حياته.
حين كبر أبناؤه، بدأ يرسم لهم طرقًا أكثر أمانًا. اختار لهم ما يراه مناسبًا، وحذّرهم مما أخافه، وحاول أن يجنّبهم الأخطاء التي دفع ثمنها. كان يتحدث عن مستقبلهم بثقة، ويشعر بالاطمئنان كلما وافق أحدهم على خطته.
لم ينتبه إلى أن ابنه الأصغر صار يصمت كلما سأله عن حلمه، وأن ابنته أصبحت تخفي عنه اختياراتها الصغيرة، حتى لا تضطر إلى الدفاع عنها.
كان الأب يظن أنه يحميهم من الطريق الصعب، بينما كانوا يتعلمون كيف يخفون عنه الطرق التي يريدون السير فيها.
لم يكن سيئًا، ولم يكن يريد لهم إلا الخير. لكنه حمل إليهم، دون أن يقصد، خوفه القديم من الفشل، وقدّمه لهم في صورة نصائح، ثم انتظر منهم أن يشكروه على الطريق الذي اختاره بدلًا منهم.
نحن لا نورّث أبناءنا أخطاءنا وحدها؛ قد نورّثهم أيضًا محاولاتنا المستمرة لإثبات أننا لم نخطئ.
نريدهم أن ينجحوا حيث تعثّرنا، وأن يختاروا ما لم نحسن اختياره، وأن يصلوا إلى أماكن تمنح ماضينا معنى مختلفًا. وربما ننسى، وسط كل هذه الرغبات، أنهم ليسوا فرصة أخرى لنعيش حياتنا من جديد.
إنهم حياة أخرى، لها أسئلتها التي لم نعرفها، وأحلامها التي قد لا نفهمها، وحقها في أن تتعثر دون أن تشعر بأنها خذلت أحدًا.
ليس مطلوبًا من الأب أن يصمت عن خبرته، ولا أن يترك أبناءه وحدهم أمام كل خطر. لكن هناك فرقًا بين أن تضيء الطريق لمن تحب، وأن تقرر عنه إلى أين ينبغي أن يمضي.
فالأبناء قد يسامحوننا على أحلام لم تتحقق، وعلى قرارات أخطأنا فيها، لكنهم قد يعجزون عن مسامحتنا حين نجعلهم يدفعون ثمن تلك الأحلام مرة أخرى.
لا تطلب من أبنائك أن ينجحوا في الحياة التي لم تستطع أن تعيشها؛ ساعدهم فقط على اكتشاف الحياة التي تستحق أن يعيشوها هم.






المزيد
فيزياء الروح بقلم ميسوم صاروطي
شتاء في القلب بقلم سمية عمر عكاشة
الحلقة الرابعة عشرة: حين يصبح الانتظار قرارًا بقلم هاني الميهى