بقلم: مي مراد
سؤال وجودي يطارد الإنسان منذ القدم؛ ففكرة القدر نشأت منذ قديم الزمان لدى البشر باختلاف دياناتهم ومعتقداتهم، بوصفه قوة عليا حتمية لا يمكن للإنسان الهروب منها أو تغيير مسارها.
وقد تعددت وجهات النظر عبر التاريخ حول هذه الإشكالية الكبرى:
بوابات الجبر: يُذكر تاريخياً أن أول من تحدث بالجبر وحمل لواءه هو إبليس عندما اختار عدم السجود لآدم.
المصريون القدماء والحرية: آمن المصريون القدماء بأن الحرية حق من حقوق الإنسان لا يجوز المساس بها ولا إهدارها، وكانت مقيدة بعدم الإضرار بالآخرين واحترام حرياتهم، فكفلها الدين وحماها النظام، وكانت العدالة هي جوهر الحياة.
الفكر اليوناني والعقل: في الفكر اليوناني القديم، رأى الفلاسفة أن الإنسان حر يفعل ما يشاء وأنه مسؤول عن أفعاله، فكان العقل أساس المعرفة. ويقول أرسطو إن العقل أسمى قوة إنسانية، بينما القلب مركز الحواس؛ فكانت المعرفة تقوم على العقل لا الحواس المتغيرة باختلاف الظروف.
عبء الحرية ومسؤولية الاختيار
لا زالت الحرية تثير جدلاً طويلاً بين المفكرين حتى عصرنا الحاضر، ونتساءل: هل الإنسان في حقيقة أمره مسيّر بقوى خارجية، أم أنه كائن حر يتصرف من وحي عقله وإرادته؟ وهل يجوز تمييز الإنسان عن غيره بأنه كائن حر الإرادة؟
الإنسان مسؤول لأنه حر، وحر لأنه مسؤول؛ فلا معنى للمسؤولية بدون حرية.
وقد عبر الفيلسوف جان بول سارتر عن هذا المعنى بقوله: “إن الإنسان مجبرٌ على أن يكون حراً”، ولم يقصد أن الحرية هدية سهلة، بل أراد أن يوضح أنها عبء. نحن نختار، وبعد الاختيار نتحمل المسؤولية كاملة؛ فكل الشخصيات أسيرة لاختياراتها، والحرية ليست نعمة خالصة لأنها تضعنا دائماً أمام احتمالات غير مضمونة.
المنطقة الرمادية: لا جبر مطلق ولا حرية مطلقة
القدر مكتوب من قبل ميلاد الإنسان، وأي محاولة للهروب من القدر هي في حد ذاتها الطريق الذي يحققه!
وبهذا، يقف الإنسان في منطقة رمادية: فهو ليس مجبرًا تمامًا، ولا حرًا تمامًا.
رؤية الشريعة الإسلامية وحكمة التسليم
وبنزول الإسلام، أصبح من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره؛ الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يتحرك شيء في الكون إلا بمشيئته.
إن القدر من الأسرار التي استأثر الله تعالى بعلمها. وقد حاول أصحاب الديانات والشرائع السابقة أن يجدوا حلاً لهذه المعضلة—وهي التوفيق بين مسؤولية الإنسان عن أفعاله والقول بإرادة الله المطلقة وقدرته الشاملة—فكانت نتيجة محاولاتهم الفشل الذريع، وثبت لهم أن هذا بحث لا يؤدي إلى نتيجة حاسمة.
ولهذا أُمرنا في الإسلام ألا نخوض في مسألة القدر بلا علم؛ إذ إن الخوض المعمق فيها إضاعة للوقت سدى. والسبب في عجز الإنسان عن إدراك كنه هذه المشكلة هو أنه لكي نصل إلى حكم صحيح على أصل الخير والشر، والحسن والقبيح، والعدل والظلم، يجب علينا أن نُلم بحقيقة الخليقة، وحكمة الله في التدبير، وماهية الوجود، وغرض الخالق، ومعنى الثواب والعقاب، والعوامل المتضادة التي تتنازع الإنسان… وهو ما لا يمكن للعقل البشري القاصر أن يستقل بإدراكه وحده.
ومن ثم، فنحن نؤمن بأن لا قدرة لمخلوق مع قدرة الخالق، وأن لا عمل إلا بتوفيق الله ومشيئته، ونكل أمر هذه المعضلة إلى الله سبحانه، طالبين منه أن يؤتينا علماً يثلج صدورنا ويطمئن نفوسنا.






المزيد
السجن الذي لا نراه: كيف نصنع قيودنا النفسية بأيدينا؟
لا تنتظر من يسعدك.. أسعد نفسك بنفسك
المرجعية: بوصلتك وسط المشتتات