أنيس وسادتي
أنيس وسادتي في هذا الليل
الذي لا ينام
ليل يعج بالذكريات كمدينة
أطفأت مصابيحها
ثم تركت أبوابها مشرعةً للراحلين
أضع رأسي
فلا تستقبلني الوسادة
تستقبلني وجوهٌ غابت
وأصواتٌ لم تعد تقول شيئ
لكنها ما زالت تعرف كيف توقظ في القلب ما ظننته مات
في داخلي قلب تائه
وعقل يضجّ كبحر أُغلقت في وجهه المرافئ
كلما حاولت أن أرتّب فوضاي
خرجت لي من بين أصابع الذاكرة صدمة أخرى
كأن الحياة لم تكتفِ بأن تجرحني
فراحت تزيّن جراحها على ملامحي
وتترك على وجهي خريطة لا يقرؤها أحد
يا لهذا الخذلان…
كم كان بارعا في النحت
نحت من ابتسامتي شيئ يشبه الغياب
ومن عينيَّ نافذتين تطلان على خراب لا يرى
ومن صمتي غرفة واسعة
كلما دخلها أحدٌ ظنّ أنه يعرفني
ثم خرج منها وهو لا يعرفني أكثر
وفي أعمق موضع من الروح
شجن لا يشبه الحزن العابر
شجن أقام خيمته في دمي
وأشعل موقده تحت ضلوعي
ثم قال للسنين
هنا سأبقى
أمشي…
لكنني لا أعرف إلى أين
كأنني أمشي في سماء بلا نجوم
أتحسس الطريق بيد من خوف
وأجر خلفي ظلي كأنه آخر شيءٍ لم يخذلني
أركض أحيانا خلف سراب أعرف أنه سراب
ومع ذلك أتبعه…
لا لأنني أصدق الماء
بل لأن العطش أقوى من المعرفة
كلما اقتربت
تكسرت أمامي لحظة من الخيال
وتناثرت كزجاج
رقيق على أرض الروح
فأعود
ليس معي إلا شفاها
أكثر صمتا
وقلب أكثر عطشا
ذلك القلب الذي ظل
طويلا واقفا على عتبة الانتظار
حتى نسي لمن كان ينتظر
ولماذا بقي
ظل طويلًا…
كشجرة نسيت الفصول طريقها إليها
لا تسقط أوراقها لأنها ذبلت
لكنها تعبت من مقاومة الريح
ولعل أقسى ما في الحكاية
أنني لم أعد أبحث عن نجاة كاملة
ولا عن يد تنتشلني من هذا العمق
أريد فقط
أن أجلس إلى جوار نفسي دون أن أشعر أنني غريب عنها
أن أضع رأسي على وسادتي
فتكون هذه المرة وسادةً لا ذاكرة
وليلاً لا محكمة
وصمتًا لا يفتح دفاتر الذين مضوا
لكن الليل كعادته
يأتي محمّلًا بي
وأنا كعادتي
أفتح له قلبي…
فيجلس
ثم يظلُّ الفؤادُ ضمآن
كأن في داخله بئرًا عميقة
لكنها منذ زمنٍ طويل
نسيت كيف تمنح الماء
بقلم
سمية عمر عكاشة
الجزائر
أنيس وسادتي بقلم سمية عمر عكاشة






المزيد
الحلقة الخامسة عشرة والأخيرة: الحياة التي اخترناها بقلم هاني الميهى
لحظة سعادة بقلم سها مراد
فيزياء الروح بقلم ميسوم صاروطي