مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رَهِينَةُ الغَدِ الَّذي لَمْ يَأْتِ بقلم سمية عمر عكاشة

رَهِينَةُ الغَدِ الَّذي لَمْ يَأْتِ

خاطرة في تقلُّب الزمان
وغفلة الإنسان
وما يضيع من العمر بين الرجاء والانتظار
ما أشدَّ غفلةَ المرءِ حين يُؤمِّلُ
أن يُصلحَ الغدُ ما أفسدَه اليوم ويحسبُ أنَّ للزمانِ خزائنَ يُودِعُ فيها ما ضاعَ من ساعاته
ثم يعودُ إليها متى شاء
وما أضعفَ القلبَ حين يُسَوِّفُ نجاته
ويُعلِّقُ خلاصَه على موعدٍ لم يضربْه القدرُ له
ولا خطَّتْ يدُ الغيبِ له سبيلًا
رأيت فيما يرى الناظرُ بعينِ الاعتبار
امرأةً قد أقامَ عليها الزمانُ
حُجَّتَه وأحاطَ بها من جهاتِها الأربع حتى غدتْ كغريبٍ في مملكةٍ لا يعرفُ لغتَها
ولا يملكُ مفتاحَ بابِها
لم تكن القيودُ من حديد
ولا الأسوارُ من حجارة
ولكنَّها كانت من دقائقَ
تتسرَّبُ في خفاء
وأيّامٍ تنقضي في صمت
وآمالٍ تُرجئها النفسُ
حتى يبهتَ لونُها
وتفقدَ في الصدرِ آخرَ نبضاتِ الرجاء
وكانت تُبصرُ الحياةَ
من وراءِ حاجزٍ شفيف
فلا يحجبُ عنها جمالَها
ولا يُتيحُ لها بلوغَها
ترى البعيدَ قريبًا
ثم تمدُّ إليه يدَها فلا تنالُ منه إلا الخيبة
هنالكَ عرفتْ أنَّ بين الرؤيةِ والوصالِ مسافةً قد تقصرُ في العين
ولكنَّها تطولُ في قضاءِ الأقدار وأنَّ أشدَّ الحرمانِ ليس
أن يُحجَبَ عن المرءِ ما لا يعرف بل أن يُرى على مقربةٍ
منه ما تهفو إليه نفسُه
ثم يُحالُ بينه وبينه
وكانت في صدرِها حياةٌ أخرى حياةٌ لم تُخلقْ لتُطوى في سجلِّ الذكريات
ولا لتكونَ حديثًا عابرًا
على ألسنةِ الناس
لها أحلامٌ لم تُفصحْ عنها
وكلماتٌ خشيتْ أن تُساءَ فهمًا وطرقٌ أحجمتْ عن سلوكِها
خشيةَ العثار
كم من مرَّةٍ قالتْ لنفسِها
إذا هدأتْ عواصفُ الأيامِ مضيتُ وإذا انقضتْ مشاغلُ الحياةِ بدأتُ وإذا صفا لي الطريقُ أقدمت
ولم تعلمْ أنَّ الطريقَ لا يصفو
دائمًا للسائرين
وأنَّ الريحَ لا تستأذنُ السفنَ
إذا هبَّت
وأنَّ العمرَ لا ينتظرُ المتردِّدين
حتى يفرغوا من حسابِ مخاوفِهم
فيا للعجبِ من قلبِ الإنسان
يُقيمُ في صدرِه محكمةً لا تنفضُّ جلساتُها
فيُحاكمُ رغبتَه إلى الخوف ويعرضُ عزيمتَه على الظنون ويطلبُ من المستقبلِ
عهدًا بالأمان قبل أن يخطوَ إليه فإذا انقضتِ الفرصةُ بكى
وإذا أدبرَ الحظُّ ندم
وإذا انكشفَ له أنَّ الأيّامَ
قد أخذتْ نصيبَها من عمرِه
صاحَ كأنَّه لم يكن يعلم
أنَّ للدهرِ يدًا لا تُمسكُ شيئ
إلا مضتْ به
وليسَ الفناءُ أن ينقطعَ النفسُ
عن الصدرِ فحسب
فلقد يموتُ في المرءِ شيءٌ
وهو يمشي بين الأحياء
ويُدفنُ فيه حلمٌ وهو يبتسم وتُوارى أمنيةٌ تحتَ
ركامِ الواجباتِ حتى
لا يعودَ يذكرُ لها اسم
وربَّ امرئٍ طالَ به البقاء
ولكنَّه لم يذقْ من الحياة
إلا انتظارَها
كأنَّه وقفَ على عتبة
دارِه عمرًا كاملًا
يخشى أن يدخلَها
فلمَّا همَّ بالدخولِ وجدَ الأبواب
قد أُغلقتْ
وأهلَ الدارِ قد رحلوا
#يتبع_بالجزء_2
بقلم
سمية عمر عكاشة
الجزائر