مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حيرة بقلم سمية عمر عكاشة

حَيْرَة

حيرة أكانت قصّتي معك قضاءً ساقه الله إلى قلبي ليمتحن صبره أم عتابًا من الحياة على غفلةٍ لم أتبينها إلا بعد فوات الأوان
أم نعمةً مرّت بي على عجل
كأنما أُعيرت لي ولم تُكتب لي
ما زلتُ أُقلّب الأمر في نفسي
فلا أستقرّ على رأي ولا أظفر من الحيرة بيقين وكلّما هممتُ أن أضع لحكايتنا خاتمةً نهض في صدري سؤالٌ قديم فردّني إلى أوّل الطريق
فإن كنتَ عقوبةً فما أقسى العقاب حين يأتي في صورة من نحب
وما أرحم الوجع حين يكشف للمرء من نفسه ما ظلّ العمر يستره عنه لقد رأيتُ في فراقك عيوبي عاريةً من الأعذار وعرفتُ من ضعفي ما لم تكن الخلوة وحدها لتعلّمني إيّاه ولعلّ في النفس زوايا لا يبلغها النصح ولا يفتح أبوابها إلا وجعٌ يقيم فيها فلا يبرح حتى يترك للروح بصيرةً لم تكن لها
وإن كنتَ إختبارا فقد دخلتُه واثقةً من صبري ثم لم ألبث أن وجدتني أتعثر في أوّل الطريق كنتُ أظنّني أملك من أمري ما يردّ عني هزيمة الغياب فإذا بغيابك يخلخل في داخلي أشياء حسبتُها راسخة وعلمتُ يومئذٍ أنّ المرء قد يحدّث نفسه طويلًا عن الصبر حتى إذا جاء ما يخشاه عرف أنّ بين القول واحتمال الحقيقة مسافةً لا تقطعها الأمنيات
ولم يكن أشدّ ما أوجعني رحيلك بل تلك التي رأيتُها من نفسي حين رحلت نفسٌ تتعلّق بما تخشى فقده وتساوم الأقدار على ما لا تملك وتنسى في شدّة رجائها أنّ المحبّة لا تمنحنا حقّ الاحتفاظ بمن نحب
ثم أعود فأسأل
إن كنتَ هديّة فلماذا تُفتح أبواب القلب لبعض النعم ثم تُغلق دونها بعد أن تكون قد اتّخذت فيها مقامًا؟ وكيف يألف المرء دفءَ الحضور حتى يظنّه من حقّه ثم يُترك فجأةً لبرودة المكان فلا يجد في يديه سوى ذكرى لا تُدفئ ولا يطاوعه قلبه على إنكارها
أكنتَ نعمةً لم أُحسن شكرها أم أملًا ألبسه قلبي من ثيابه حتى خُيّل إليّ أنّه حقيقة أكان فيك من الماء ما رأيت أم أنّ ظمأ روحي هو الذي جعل السراب في عيني نبعا
ما أصعب أن يظلّ المرء معلّقًا بين تأويلين لا يملك أن يتّهم القدر
ولا يطمئنّ إلى براءة اختياره ولا يدري أكان عليه أن يحمد ما مضى أم يحزن على ما لم يدم
ولقد طال بي الوقوف عند هذه الأسئلة حتى خشيتُ أن أُضيّع ما بقي من عمري في محاكمة ما انقضى فليس كلّ فراقٍ عقوبة ولا كلّ لقاءٍ بشارة ولا كلّ ما استقرّ في القلب كُتب له أن يستقرّ في الحياة ولعلّ بعض الحكايات لا تأتي لتكون لنا وإنّما لتوقظ فينا شيئًا ظلّ نائمًا
ثم تمضي وتتركنا نواجه ما أيقظته
لقد علّمتني أنّ في المحبّة بوحًا ينبغي ألّا يُؤجَّل
وأنّ للصمت وإن بدا حكمة
ثمنا قد لا نعرفه إلا حين يصبح الكلام عتابا لا يسمعه أحد وعلّمتني أنّ التمسّك إذا جاوز حدّه أرهق اليد التي تتمسّك وأنّ الترك وإن بدا في أوّله خذلانا قد يكون آخر ما تبقّى للمرء من رحمةٍ بنفسه
غير أنّني لا أريد أن أجعل منك مذنبا كي أجد لوجعي عذرا
ولا أن أجعل من نفسي ضحيّةً كي أُعفيها من مراجعة ما كان
فما كان بيننا أمانةٌ في أعناقنا
لكلّ منّا فيها نصيبه من الصواب والخطأ وما عادت الأيام لتردّ إلينا ما أضعناه ولا الندامة لتغيّر هيئة الماضي
فإن كنتَ عقوبة فقد كفّرتَ عن جهلي بنفسي وإن كنتَ درسا فقد كشفتَ لي ما كنتُ أجهله من قوّتي وضعفي وإن كنتَ هديّة فقد كنتَ من الهدايا التي لا يُقاس قدرها بطول مقامها وإنّما بما تتركه في النفس بعد انصرافها
لكنّني
على كلّ ما تعلّمت لا أزال أجهل في أيّ بابٍ أضعك من ذاكرتي أفي باب الندم أم في باب الامتنان أم في تلك المساحة الملتبسة بينهما حيث لا يصفو الحزن حتى يصير حمدا ولا يبلغ الرضا حتى يخلو من شيءٍ من الأسى
أأستغفر منك أم أستغفر لك أم أحمد الله أنّك كنت وإن لم تبقَ
كلّما ظننتُ أنّني بلغتُ من أمرك آخره وجدتُ في القلب بقيّةً لم تبلغها يدي ولعلّ بعض الناس لا يرحلون منّا كما يرحل سائر الناس إنّما يتركون في أرواحنا شيئًا من طباعهم وفي نظرتنا إلى الحياة شيئًا من نظرتهم وفي صمتنا أصداء كلماتٍ لم نعد نجد لمن نقولها
وهكذا أبقيك في نفسي لا كما كنتَ يوم تمنّيتُ بقاءك ولا كما صرتَ يوم اضطررتُ إلى فراقك بل كما استقررتَ في تلك المسافة التي لا يبلغها النسيان ولا يصلح فيها الرجوع
ذنبا أستغفر منه جهلي ودرسا أتعلّم منه نفسي وذكرى لا أملك أن أنكرها ولا أريد أن أجعل منها قيدا لروحي
ثم أمضي
وما بي من يقينٍ بأنّني شُفيت ولا من ادّعاءٍ بأنّني نسيت أمضي لأنّ الحياة لا تنتظر اكتمال أجوبتنا ولأنّ القلب مهما أخلص لجرحه لا يستطيع أن يقيم فيه إلى الأبد
ولعلّ عزائي الأخير أنّني لن أخرج من حكايتنا كما دخلتُها فقد جئتُك بقلبٍ يسأل عن المحبّة وعدتُ منها بروحٍ تسأل عن نفسها
كلّما ذكرتك لا أدري أأحمد الله على أنّك مررتَ بي أم أبكي لأنّك لم تبقى
وهذه لعلّها حيرتي التي لا أريد لها جوابا إذ أخشى إن اهتديتُ إلى جواب
أن أفقد آخر ما تبقّى منك داخلي
بقلم
سمية عمر عكاشة
الجزائر