حين بقي الأثر
بقلم : الكاتب هاني الميهي
الفصل الثالث
وجع خفي
لم تكن النفس تقيس انتهاء الأشياء بانتهائها في الخارج.
كانت تعرف أن الباب قد أُغلق، وأن الشخص قد غادر، وأن الحديث الذي استمر ساعات انتهى بجملة أخيرة، وأن الأيام مضت بما يكفي حتى يصبح ما حدث قديمًا في حساب الوقت.
لكن الوقت لم يكن دائمًا يصل إلى الداخل بالسرعة نفسها.
كان هناك شيء يبقى.
أثر صغير لا يظهر في الصورة الأولى.
تراه النفس حين تتكرر مواقف تبدو عادية، ثم تلاحظ أن الإنسان لا يتعامل معها كما يتعامل معها من لم يمر بما مر به.
لم يكن الحدث موجودًا.
لكن طريقته في النظر كانت موجودة.
لم يكن الشخص القديم موجودًا.
لكن الحذر الذي تركه كان لا يزال هناك.
لم تعد الكلمات نفسها.
لكن النفس كانت تتذكر كيف شعرت حين قيلت.
وهكذا، بينما كانت الحياة تمضي في الخارج، كان شيء آخر يعيش في الداخل على توقيت مختلف.
—
في الصباح، وصل بريد إلكتروني عادي.
جملة قصيرة.
طلب بتعديل موعد اجتماع.
لم يكن في الرسالة ما يستحق القلق.
قرأ الإنسان الكلمات مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم بدأ يبحث عن معنى آخر خلفها.
هل هناك اعتراض؟
هل تغير شيء؟
هل صاحب الرسالة غير راضٍ؟
هل كان في الاجتماع السابق ما لم ينتبه إليه؟
ظلت النفس تراقب.
لم تكن الرسالة هي المشكلة.
كانت تشبه رسالة قديمة.
رسالة جاءت قبل سنوات، وكانت تحمل في نهايتها قرارًا لم يكن مستعدًا له.
يومها لم يفهم كل شيء.
لكنه فهم شيئًا واحدًا:
أن الأشياء يمكن أن تتغير فجأة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الرسائل بالنسبة إليه مجرد رسائل.
صار يقرأ بينها.
يبحث عن النبرة في الكلمات المكتوبة.
عن التأخير.
عن النقطة الأخيرة.
عن الاختصار.
عن أي علامة يمكن أن تخبره أن شيئًا سيئًا يقترب.
كان الحدث قد انتهى.
لكن النفس لم تنتهِ من التعلم منه.
—
وهذا ما يفعله بعض الألم.
لا يبقى على هيئة ذكرى.
يتحول إلى طريقة في الاستعداد.
الإنسان الذي خسر شيئًا فجأة قد يصبح شديد الانتباه إلى علامات الفقد.
والذي تعرض للخذلان قد يراقب التغيرات الصغيرة فيمن حوله.
والذي عاش لحظة لم يجد فيها أحدًا إلى جواره قد يتعلم أن يجهز نفسه دائمًا لفكرة أنه سيكون وحده.
لا أحد يرى الماضي في هذه التصرفات.
يرى حذرًا.
يرى دقة.
يرى استقلالًا.
يرى ربما مبالغة.
أما النفس فكانت ترى الجذر.
لا لتبرر كل شيء.
بل لتعرف من أين جاءت بعض الأشياء.
—
كان الإنسان قد يضحك في موقف عادي، ثم يتوقف فجأة عند ضحكته.
ليس لأن شيئًا حدث.
بل لأن النفس تذكرت لحظة قديمة كانت فيها الضحكة سببًا في اتهامه بأنه لا يأخذ الأمور بجدية.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت السعادة نفسها تحتاج إلى مراجعة.
هل الوقت مناسب؟
هل الموقف يسمح؟
هل سيُساء فهمها؟
هل من الأفضل أن يبقى هادئًا؟
شيء غريب أن يصل الألم إلى هذه المسافة.
أن يبدأ من موقف مؤلم، ثم يظهر بعد سنوات في لحظة فرح.
لكن النفس كانت تعرف أن الجرح لا يختار دائمًا المكان الذي يعود منه.
قد يعود من أغنية.
من رائحة.
من شارع.
من طريقة شخص في نطق اسم.
وقد يعود من شيء لم يكن له علاقة مباشرة بالحدث أصلًا.
—
في أحد الأيام، مر الإنسان بمكان قديم.
لم يكن ذاهبًا إليه.
فقط كان الطريق أقرب.
توقفت السيارة






المزيد
الحلقة الخامسة: ما الذي يبقى بعد الاعتذار؟ بقلم الكاتب : هاني الميهى
مُعَلَّقَةُ الرَّحِيل بقلم سمية عمر عكاشة
ستعود الأيام، رغم ثقلها بقلم خيرة عبدالكريم