مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ما خبّأته الملامح الكاتب هاني الميهي

ما خبّأته الملامح
الكاتب هاني الميهي

الفصل الأول
وجع خفي

كانت النفس تعرف أن الوجه ليس مكانًا أمينًا للحقيقة.

تراقبه منذ الصباح؛ العينان تستيقظان قبل أن يكتمل النهار، اليد تبحث عن الهاتف، الأصابع تمر فوق الشاشة، ثم يتغير شيء صغير في الملامح عند أول خبر، أو أول رسالة، أو أول اسم يظهر أمام العين. لا شيء واضحًا بما يكفي ليلتفت إليه أحد. مجرد حركة عابرة، ارتباك خفيف، ثم يعود الوجه إلى هيئته المعتادة.

كان الإنسان ينهض من سريره، يغسل وجهه، يرتدي ملابسه، يخرج إلى يومه.

وكانت النفس تخرج معه.

لا يراها أحد.

لا تظهر في المرآة، ولا تترك ظلًا على الأرض، لكنها كانت تعرف الطريق الذي يقطعه الإنسان من غرفته إلى العالم، وتعرف أيضًا ما يبقى خلفه بعد أن يغلق الباب.

كانت ترى ما لا تراه الملامح.

ترى اليد التي تتوقف لحظة قبل أن تكتب رسالة.

ترى العين التي تبتسم مع بقية الوجه، ثم تهبط وحدها إلى الأسفل.

ترى الصمت الذي يأتي بعد سؤال بسيط.

وترى ذلك التغيير الدقيق الذي يحدث في نبرة الصوت حين تقترب كلمة من مكان قديم لم يلتئم تمامًا.

لم تكن النفس تحتاج إلى دموع كي تعرف أن شيئًا يؤلم.

أحيانًا كان الألم أكثر هدوءًا من ذلك.

كان يجلس في التفاصيل.

—

في المقهى، جلس ثلاثة أشخاص حول طاولة صغيرة.

حديث عن العمل.

خبر عن الأسعار.

موقف مضحك حدث لأحدهم.

ضحكات متقطعة.

فنجان يتحرك من مكانه.

هاتف يضيء ثم ينطفئ.

كان كل شيء طبيعيًا.

إلا تلك اللحظة التي ذُكر فيها اسم شخص غائب.

لم يتغير شيء تقريبًا.

فقط سكت أحدهم نصف ثانية أطول مما ينبغي.

رفع الفنجان.

شرب.

ثم قال:

«أخبار قديمة.»

وانتقل الحديث إلى موضوع آخر.

لكن النفس لم تنتقل.

بقيت هناك.

في تلك النصف ثانية.

كانت تعرف أن بعض الأسماء لا تكون مجرد أسماء.

هناك أسماء تحمل معها غرفًا كاملة، وأيامًا لم تنتهِ، وأصواتًا لا تزال موجودة في مكان لا تصل إليه السنوات.

لم يكن أحد على الطاولة يعرف ذلك.

وربما لم يكن صاحب الاسم يعرف أيضًا مقدار ما تركه خلفه.

فالإنسان لا يحمل ذكرياته كما يحمل الأشياء في حقيبة.

بعض الذكريات لا تبقى في الذاكرة.

تبقى في طريقة النظر.

في سرعة الانفعال.

في الحذر.

في الاختيار.

في المسافة التي توضع بين القلب وبين الآخرين.

وهكذا يمكن لشيء انتهى منذ سنوات أن يظل يعمل في الحاضر دون أن يذكر أحد اسمه.

—

كانت النفس تلاحظ هذا كثيرًا.

تلاحظ أن الإنسان حين يتألم لا يعلن دائمًا عن ألمه.

أحيانًا يفعل العكس تمامًا.

يزداد ترتيبًا.

يزداد انشغالًا.

يزداد اهتمامًا بالآخرين.

يصبح أكثر نجاحًا.

أكثر هدوءًا.

أكثر قدرة على الاحتمال.

كأن شيئًا في داخله قرر أن أفضل طريقة لإخفاء الكسر هي أن يبني حوله حياة لا تسمح لأحد برؤيته.

هناك من يحول حزنه إلى عمل.

ومن يحول خوفه إلى سيطرة.

ومن يحول احتياجه إلى عطاء.

ومن يحول خيبته إلى استقلال مبالغ فيه.

ومن يحول خوفه من الرحيل إلى تعلق لا يترك مساحة للآخر كي يتنفس.

النفس ترى التحول كله.

وتعرف أن السلوك الجديد لم يولد من فراغ.

لكنها لا تتعجل في تفسيره.

فهي تعرف أن الإنسان أكثر تعقيدًا من سبب واحد.

قد يكون الوجع جزءًا من الحكاية، وقد يكون النضج جزءًا آخر، وقد تكون الحياة نفسها قد دفعت الإنسان إلى أن يصبح مختلفًا.

لكن هناك أوقاتًا تستطيع فيها النفس أن تلتقط الخيط.

ذلك الخيط الرفيع الذي يصل بين ما حدث ذات يوم، وما يحدث الآن.

—

في غرفة أخرى، كان رجل يراجع حساباته قبل النوم.

فتح الحاسوب.

راجع الأرقام.

أعاد جمعها.

فتح البريد.

قرأ رسالة العمل مرة ثانية.

ثم أغلق كل شيء.

بعد دقائق، عاد وفتح الهاتف.

لم يكن هناك ما يستدعي القلق.

لكن النوم لم يأتِ.

كانت النفس تعرف هذا النوع من السهر.

ليس سهر العمل.

بل سهر الإنسان الذي يخشى أن يهدأ.

حين تهدأ الحركة، تبدأ الأشياء المؤجلة في الظهور.

وجه قديم.

قرار لم يُحسم.

خوف من خسارة.

كلمة قيلت في الماضي.

سؤال بلا إجابة.

وحين يشعر الإنسان أن كل هذه الأشياء تقترب، يعود إلى الهاتف.

ليس لأنه ينتظر رسالة.

بل لأنه يبحث عن أي شيء يضعه بينه وبين نفسه.

كانت النفس ترى ذلك وتبقى صامتة.

لم تكن مهمتها أن تعطيه اسمًا لكل شيء.

كانت فقط تسجل.

—

تسجل أن بعض الناس لا يخافون الوحدة.

إنهم يخافون ما يظهر فيهم حين يصبحون وحدهم.

ولهذا قد يملؤون حياتهم بالأصوات.

عمل.

مكالمات.

زيارات.

اجتماعات.

مسلسلات.

أخبار.

محادثات لا تنتهي.

حتى يصبح الصمت شيئًا غريبًا.

وفي الصمت، لا يعود هناك شيء يختبئ خلفه الإنسان.

وهناك، تحديدًا، تبدأ النفس في استعادة الصور.

ليست دائمًا صورًا واضحة.

أحيانًا مجرد إحساس.

ضيق في الصدر.

توتر في اليد.

رغبة مفاجئة في البكاء.

انقباض لا يجد سببًا.

ثم يمر كل شيء.

ويعود الإنسان إلى يومه.

كأن شيئًا لم يحدث.

لكن النفس تعرف أن شيئًا حدث.

—

لم تكن كل الجروح كبيرة.

وهذه واحدة من الحقائق التي احتاج الإنسان إلى سنوات كي يفهمها.

بعض الأشياء التي غيّرته لم تكن تستحق، في نظر الآخرين، أن تُروى أصلًا.

مقارنة عابرة.

سخرية في وقت حساس.

تجاهل احتياج.

وعد لم يتحقق.

باب أُغلق في وجهه.

شخص اختار غيره.

رسالة انتظرها ولم تصل.

موقف شعر فيه بأنه زائد عن الحاجة.

قد تبدو الأشياء صغيرة حين تُروى منفردة.

لكن النفس لا تحتفظ بها منفردة.

تجمعها.

تضع بعضها إلى جوار بعض.

ثم تأتي لحظة، بعد سنوات، فيبدو الإنسان لنفسه مختلفًا دون أن يعرف متى حدث الاختلاف.

لم يعد يسأل كما كان.

لم يعد يثق كما كان.

لم يعد يعطي قلبه بالسهولة نفسها.

لم يعد يصدق الكلمات وحدها.

صار يبحث عن الأفعال.

ثم عن التناقضات.

ثم عن علامات الرحيل قبل أن يبدأ القرب.

وقد يظن أنه أصبح أكثر وعيًا.

وقد يكون ذلك صحيحًا.

لكن النفس تعرف أن جزءًا من هذا الوعي ولد من الخوف.

والوعي الذي يولد من الخوف يظل محتاجًا إلى أن يكتشف نفسه.

—

في علاقة جديدة، قد يظهر الماضي دون أن يدخل أحد.

تتأخر رسالة.

يتغير أسلوب الحديث.

يصبح الطرف الآخر مشغولًا.

لا شيء استثنائي.

لكن النفس تلتقط الارتباك.

القلب يسرع.

العين تعود إلى الهاتف.

تُقرأ الرسالة القديمة.

تُراجع الكلمات.

يبدأ العقل في بناء احتمالات.

ربما حدث شيء.

ربما تغيرت المشاعر.

ربما بدأ الابتعاد.

ربما هناك شخص آخر.

وربما لا شيء من ذلك حدث.

لكن النفس لا تتعامل مع الاحتمالات وحدها.

إنها تحمل أرشيفًا كاملًا.

وحين يقترب الحاضر من شيء يشبه الماضي، تفتح بعض الملفات القديمة دون إذن.

وهنا لا يكون الخوف دائمًا من الشخص الموجود.

قد يكون من النهاية التي يعرفها الإنسان جيدًا.

—

كانت النفس ترى أيضًا من يبالغ في العطاء.

يمنح الوقت.

والاهتمام.

والمال.

والجهد.

ويتعب ثم يقول إن الأمر عادي.

يبدو كريمًا.

وقد يكون كريمًا فعلًا.

لكن أحيانًا يكون خلف الكرم خوف من أن يصبح الإنسان غير محبوب إذا لم يكن مفيدًا.

فيعطي قبل أن يُطلب منه.

ويعتذر قبل أن يُخطئ.

ويوافق قبل أن يفكر.

ويحاول أن يجعل الجميع مرتاحين، حتى لو خرج هو من كل علاقة مثقلًا.

لا أحد يرى ذلك كألم.

الناس يرون شخصًا طيبًا.

والنفس ترى شيئًا آخر.

ترى إنسانًا يشتري الأمان أحيانًا بالتنازل عن نفسه.

ولا يحدث ذلك في يوم واحد.

يبدأ بخطوة صغيرة.

«لا بأس.»

ثم تتكرر.

«لا بأس.»

حتى تصبح الحياة كلها مجموعة من الأشياء التي «لا بأس» بها، بينما شيء في الداخل يزداد ضيقًا.

—

وقد يحدث العكس.

قد يتحول الألم إلى قسوة.

ليس لأن القلب خالٍ.

بل لأنه امتلأ أكثر مما يحتمل.

النفس تعرف الفرق.

تعرف أن هناك إنسانًا لا يشعر، وإنسانًا يشعر حتى أتعبه الشعور.

الأول قد لا يتأثر.

أما الثاني فقد يتظاهر بأنه لا يتأثر.

وهذا التظاهر قد يستمر طويلًا.

يتعلم الإنسان أن يقول الكلام الجاف.

أن ينهي العلاقات بسرعة.

أن لا يشرح.

أن لا يسأل.

أن لا ينتظر.

أن يغادر قبل أن يُطلب منه المغادرة.

كل ذلك يبدو قوة من الخارج.

لكن الكاميرا الداخلية كانت ترى شيئًا مختلفًا.

كلما اقترب شيء من قلبه، رفع الحاجز.

ليس لأنه لا يريد الحب.

بل لأنه يعرف جيدًا مقدار ما يمكن أن يخسره إذا فتح الباب.

—

كانت النفس تحفظ هذه التفاصيل دون أن تتحدث عنها.

فهي لم تكن قاضيًا.

ولم تكن واعظًا.

كانت مجرد شاهد قديم.

ترى الإنسان حين يكون وحده.

وترى النسخة التي يخرج بها إلى الناس.

وترى الفارق بين الاثنين.

وفي ذلك الفارق كانت تعيش أشياء كثيرة.

أحيانًا كانت النسخة التي يراها الناس قوية.

والنسخة التي تعرفها النفس مرهقة.

وأحيانًا تبدو النسخة الخارجية مستقلة.

بينما كانت الداخلية تنتظر كلمة أمان.

وأحيانًا يبدو الإنسان باردًا.

بينما كان داخله يخاف من أن يشعر أكثر.

لم يكن الكذب دائمًا موجودًا.

كان هناك فقط جزء من الحقيقة لم يجد طريقه إلى الخارج.

—

والألم الذي لا يجد طريقه إلى الكلام لا يختفي بالضرورة.

قد يتغير شكله.

قد يتحول إلى عادة.

والعادة إلى شخصية.

ثم تصبح الشخصية شيئًا يدافع عنه الإنسان.

يقول:

«أنا لا أحب التعلق.»

ولا يقول إن التعلق أخافه.

«أنا أحب الاعتماد على نفسي.»

ولا يقول إن الاحتياج أخافه.

«أنا لا أثق بسهولة.»

ولا يقول إن الثقة كلفتني كثيرًا.

«أنا لا أحب الكلام عن مشاعري.»

ولا يقول إن الكلام في الماضي لم يجد من يسمعه.

هكذا تختبئ بعض الأوجاع جيدًا.

لا تختبئ خلف الصمت فقط.

تختبئ خلف الصفات.

—

لكن النفس لا تنسى بسهولة.

قد لا تحفظ الحادثة.

قد لا تتذكر التاريخ.

قد لا تعرف الكلمات التي قيلت حرفيًا.

لكنها تحفظ الأثر.

تحفظ الطريقة التي انخفض بها الصوت.

واليد التي ارتجفت.

والباب الذي أغلق بعنف.

والوجه الذي لم يجد أحدًا ينظر إليه.

تحفظ اللحظة التي فهم فيها الإنسان، للمرة الأولى، أن عليه أن يحمي نفسه بنفسه.

ومنذ ذلك اليوم، قد تتغير أشياء كثيرة.

يكبر.

يتعلم.

يعمل.

يتزوج.

ينجح.

ينجب.

ينتقل إلى مكان آخر.

لكن شيئًا صغيرًا قد يبقى كما هو.

ذلك الجزء الذي لم يفهم بعد لماذا حدث ما حدث.

—

وفي إحدى الليالي، جلس الإنسان أمام المرآة.

لم يكن يبحث عن شيء محدد.

فقط كان يزيل آثار يوم طويل من وجهه.

غسل يديه.

رفع عينيه.

تأمل وجهه.

لم يرَ شيئًا غريبًا.

الوجه نفسه.

العينان.

الملامح.

التعب.

لكن النفس كانت ترى أكثر.

رأت سنوات كاملة خلف ذلك الوجه.

أشياء قيلت.

أشياء لم تُقل.

أشخاص مروا.

أشخاص رحلوا.

أبواب أُغلقت.

وأبواب لم يجرؤ الإنسان على فتحها مرة أخرى.

ورأت شيئًا آخر.

رأت أن الألم لم يعد كما كان.

لم يعد حادثة.

صار أثرًا.

والأثر، مهما كان عميقًا، ليس هو الإنسان كله.

هذه الفكرة لم تكن حلًا.

لكنها كانت بداية.

لأن النفس حين تفصل بين الإنسان وبين ما حدث له، تبدأ في استعادة مساحة صغيرة من الحرية.

—

لم يكن مطلوبًا أن ينسى.

فالنسيان ليس دائمًا شفاءً.

ولم يكن مطلوبًا أن يتظاهر بأن شيئًا لم يؤلمه.

فالإنكار لا يمحو الأثر.

كان هناك شيء أبسط وأكثر صدقًا.

أن يُرى الوجع أخيرًا.

ليس أمام الآخرين.

ولا في اعتراف كبير.

فقط داخل المكان الذي ظل مختبئًا فيه سنوات.

هناك، في النفس.

حيث احتفظت الكاميرا بكل ما مر أمامها، حتى حين لم يكن هناك أحد آخر يراقب.

ومن هذه النقطة تبدأ الحكاية الحقيقية.

فالألم الذي لا يراه أحد قد يجد لنفسه لغة أخرى.

وقد تصبح تلك اللغة صمتًا طويلًا.

صمتًا لا يشبه الهدوء.

صمتًا تتعلمه النفس حين تكتشف أن بعض الأشياء، حين تُقال، لا تجد من يحتملها.

ومن هنا يبدأ الفصل التالي:

«الصمت الذي جاء مبكرًا»

لأن النفس لا تولد صامتة.

أحيانًا تتعلم الصمت في اللحظة التي تفهم فيها أن الكلام لن يغيّر شيئًا. :::