مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أنا بخير.. كذبةٌ يُصدقها الجميع

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

(أخصائي نفسي)

كم مرةً سألك أحدهم: “كيف حالك؟” فأجبتَ بسرعةٍ ودون تفكير: “أنا بخير!”؟

تقولها وابتسامتك مرسومةٌ على وجهك، وصوتك ثابت، لكن في داخلك حكايةٌ أخرى تمامًا. في داخلك تعبٌ كبير، وحزنٌ لا يراه أحد، وكلامٌ كثيرٌ تودُّ أن تقوله، لكنك لا تستطيع.

لقد أصبحت عبارة “أنا بخير” أشهر كذبةٍ في حياتنا. نرددها كل يوم، ويصدقها الجميع؛ لأن الجميع مشغول، ولأنه لم يعد لأحدٍ وقتٌ ليسمع الحقيقة.

لماذا نقول “أنا بخير” ونحن لسنا بخير؟

السبب بسيطٌ جدًا: نحن نخاف.

نخاف أن نكون ثقلاء على غيرنا. نخاف أن يقال عنا إننا نبالغ، أو إننا ضعفاء. فكبرنا ونحن نرتدي قناع الابتسامة، حتى أصبح جزءًا من ملامحنا.

الوجع الذي يأتي من البيت

وأحيانًا لا يكون سبب حزننا المخفي بعيدًا، بل يكون من داخل البيت نفسه:

 كم من أختٍ تقول “أنا بخير” وهي محرومةٌ من حقها فقط لأنها بنت، فيقولون لها: “البنات ليس لهن حق”.

 وكم من أخٍ يقول “أنا بخير” وهو مقطوعٌ عن إخوته، لأن أباه فضّل الابن الوحيد، أو فضّل ابن الزوجة الأخرى، وزرع التفرقة بينهم.

نجد اليوم عقوقًا من الأبناء للوالدين، ونجد أيضًا عقوقًا من الوالدين للأبناء؛ حين يظلم الأب أبناءه ولا يعدل بينهم، وحين تأكل العائلة ميراث بعضها.

هذا الظلم يصنع جرحًا لا يُرى. فتجد الأخ يبتسم أمام الناس وهو في داخله يشعر أنه منبوذٌ من دمه ولحمه. وتجد الأخت تضحك في المناسبات وهي في داخلها تبكي لأنها لم تجد من أهلها سؤالاً ولا صلة.

وهذا هو أصعب أنواع الحزن: حين يكون وجعك من رحمك، فلا تستطيع أن تشتكي، فتقول: “أنا بخير”، حتى لا يشمت أحدٌ بعائلتك.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم”

وقال:

“لا يدخل الجنة قاطع رحم”

فالعدل بين الأبناء ليس فضلاً بل هو فرض، وقطع الرحم ليس أمرًا بسيطًا بل هو ذنبٌ عظيم يترك حزنًا طويلاً في القلوب.

الابتسامة التي تُوجع

هناك نوعٌ من الحزن لا يأتي بالدموع، بل يأتي بالابتسامة.

تضحك في التجمعات، وتشارك في الصور، لكنك حين تضع رأسك على الوسادة، تشعر أنك وحيدٌ تمامًا… وهذا هو أخطر أنواع الحزن، لأنه حزنٌ صامت.

متى تصبح “أنا بخير” خطيرة؟

تصبح خطيرةً حين تتراكم.

في كل مرةٍ تقول فيها “أنا بخير” وأنت لست بخير، فأنت تضع حجرًا فوق قلبك، حتى يصبح قلبك ثقيلاً لا يقوى على التنفس.

ماذا نفعل إذن؟

1. الاعتراف الذاتي: اسمح لنفسك بألا تكون بخير، فهذا أمرٌ طبيعي وإنساني جداً.

2. الملاذ الآمن: ابحث عن شخصٍ واحدٍ آمن، تستطيع أن تقول له الحقيقة كاملةً دون تجميل، حتى لو كان ورقةً وقلمًا.

3. إعادة ترميم الأرحام: أعيدوا صلة الرحم. أيها الأب، اعدل بين أبنائك. وأيها الأخ، اسأل عن أختك حتى لو حرمتك الظروف، فالكلمة الطيبة قد تداوي جرح سنوات.

4. السؤال الثاني: كن أنت الشخص الذي يسأل السؤال الثاني؛ فحين يقول لك أحدهم “أنا بخير”، انظر في عينيه وقل له: “حقًا؟ أنا موجودٌ إن احتجت أن تتحدث”.

خاتمة:

في النهاية، نحن بشر، نحزن ونفرح.

ولا أجمل من ابتسامةٍ تأتي بعد بكاءٍ صادق، وليست تلك التي تُخفي خلفها ألف وجع، وقطيعة رحم.