الشخص الذي نرتديه أمام الناس
الكاتب هاني الميهي
الفصل الحادي عشر
كل هذا يحدث في الخارج
لكن شيئًا منه يحدث فينا
رأيتُه يخرج من بيته صباحًا وهو يبتسم.
قبّل رأس طفله.
سأل عن الإفطار.
قال لزوجته:
«سأعود مبكرًا اليوم.»
ثم أغلق الباب.
بمجرد أن وصل إلى سيارته، اختفت الابتسامة.
لم يكن حزينًا تمامًا.
ولم يكن سعيدًا.
كان فقط…
متعبًا من الدور الذي بدأ يلعبه منذ سنوات.
شغّل السيارة.
نظر إلى المرآة.
عدّل ملامحه قبل أن يبدأ الطريق.
نعم.
عدّل ملامحه.
كأن هناك وجهًا للبيت، ووجهًا للعمل، ووجهًا للأصدقاء، ووجهًا لا يراه أحد.
أما أنا…
فكنت أرى الوجه الأخير.
—
في الخارج، كان يبدو واثقًا.
في الداخل، كان يسأل:
«هل أنا فعلًا كذلك؟»
كان يتحدث أمام فريقه بثبات.
يأخذ القرارات.
يحسم الخلافات.
يقول:
«الأمر تحت السيطرة.»
ثم يعود إلى مكتبه، يغلق الباب، ويجلس وحده.
ينظر إلى يديه.
ويقول:
«ماذا لو لم أكن أعرف ماذا أفعل؟»
لم يكن كاذبًا تمامًا.
كان فقط يعرض الجزء الذي يستطيع الآخرون احتماله.
وهذه واحدة من أكثر المهارات التي يتقنها الإنسان مع الوقت:
أن يصبح الشخص الذي يحتاجه الآخرون، حتى لو لم يعد يعرف الشخص الذي يحتاجه هو.
—
رأيتُ موظفة تدخل إلى اجتماع.
كانت ترتدي ملابسها بعناية.
تحمل ملفًا.
تبتسم.
تتكلم بثقة.
حين سألها المدير عن المشروع، أجابت فورًا.
لم تتردد.
لم يعرف أحد أنها قضت الليلة السابقة وهي تعيد الأرقام مرة بعد مرة.
لم يعرف أحد أنها كانت تخشى أن تخطئ.
ولم يعرف أحد أنها عندما خرجت من الاجتماع ذهبت إلى الحمام، وأغلقت الباب، وظلت دقيقة كاملة تنظر إلى وجهها في المرآة.
لم تبكِ.
فقط قالت:
«أحتاج أن أرتاح.»
ثم غسلت وجهها.
وعادت.
من يعرفها سيقول:
«قوية.»
وأنا أعرف أنها لم تكن تبحث عن القوة.
كانت تبحث عن مساحة صغيرة لا تضطر فيها إلى تمثيلها.
—
نحن لا نرتدي الأقنعة دائمًا لأننا نخدع الناس.
أحيانًا نرتديها لأننا نخشى أن نُرفض إذا ظهر وجهنا الحقيقي.
نبتسم حتى لا يقال إننا متجهمون.
نوافق حتى لا يقال إننا صعبون.
نصمت حتى لا نخسر العلاقة.
نقول «لا مشكلة» لأن الحقيقة تحتاج إلى مواجهة.
نقول «أنا بخير» لأن شرح ما يحدث داخلنا يحتاج إلى طاقة لا نملكها.
ثم نعود إلى البيت.
ونكتشف أن الدور الذي لعبناه طوال اليوم…
لم ينتهِ عند الباب.
—
كنت أراقبه في العشاء.
زوجته تسأله:
«كيف كان يومك؟»
يقول:
«تمام.»
تسأله:
«الشغل كويس؟»
«الحمد لله.»
تنظر إليه.
تعرف أن هناك شيئًا.
لكنه لا يقول.
ليس لأنه لا يثق بها.
بل لأنه لم يعد يعرف كيف يشرح ما يشعر به.
لقد قضى سنوات يتعلم كيف يحل المشكلات.
ولم يتعلم كيف يقول:
«أنا تعبت.»
—
وهنا يبدأ الانفصال.
ليس انفصالًا عن الآخرين.
بل عن النفس.
أن تعرف كيف تبدو…
ولا تعرف كيف تشعر.
أن تعرف ماذا يجب أن تقول…
ولا تعرف ماذا تريد أن تقول.
أن تستطيع إدارة اجتماع كامل…
ولا تستطيع إدارة حوار واحد مع نفسك.
أن يعرف الناس عنك أنك هادئ، بينما أنت في الداخل مليء بالضجيج.
—
في العمل، الشخصية التي نرتديها قد تكون مفيدة.
نحن بحاجة إلى قدر من المهنية.
نحتاج إلى ضبط الانفعال.
نحتاج إلى احترام الأدوار.
لا يمكن لمدير أن يدخل كل اجتماع بمشاعره الخام.
ولا يمكن لموظف أن يجعل كل ضغط شخصيًا.
الحياة العملية تحتاج إلى قدر من الفصل بين الشعور والسلوك.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القناع هو الوجه الوحيد الذي نعرفه.
عندما نخرج من الاجتماع، فلا نعرف كيف ننزع الرسمية.
عندما نعود إلى البيت، نستمر في لعب دور القوي.
عندما نجلس مع من نحب، نخشى أن نظهر ضعفاء.
عندها تتحول المهنية إلى قسوة.
والتماسك إلى اختناق.
والصمت إلى عزلة.
—
رأيت شابًا يجلس بين أصدقائه.
كان أكثرهم مرحًا.
يضحك.
يمزح.
يحكي القصص.
كلما سكتت المجموعة، بدأ هو حديثًا جديدًا.
لم يترك لحظة صمت واحدة.
وحين انتهت السهرة، خرج وحده.
مشَى قليلًا.
ثم توقف.
لم يكن هناك من يحتاج إلى إضحاكه.
ولا أحد ينتظر منه قصة.
ولا أحد يراقب وجهه.
سكت.
وفجأة بدا مختلفًا.
كان التعب ظاهرًا.
قلت له:
«كم مرة تحتاج إلى أن تكون خفيفًا أمام الناس كي لا يكتشف أحد ثقل ما تحمله؟»
لم يجب.
لأنه ربما لم يكن يعرف.
—
بعض الشخصيات التي نرتديها تبدأ كحل مؤقت.
ثم تستمر.
الطفل الذي اكتشف أن إرضاء الجميع يحميه من المشاكل، يكبر ليصبح شخصًا لا يستطيع الرفض.
والذي تعلم أن القوة تمنحه الاحترام، قد يكبر وهو يخجل من حاجته إلى الآخرين.
والذي اكتشف أن الصمت يمنع الخلاف، قد يقضي عمره وهو يبتلع كلامه.
والذي تعلم أن النجاح يجلب القبول، قد يصبح مدمنًا على الإنجاز.
ثم بعد سنوات…
ينظر إلى حياته.
كل شيء يبدو جيدًا.
لكن هناك سؤالًا صغيرًا لا يملك شجاعة طرحه:
هل أنا أعيش، أم أؤدي الدور الذي تعلمت أن أعيشه؟
—
الإيمان هنا يعيد الإنسان إلى معنى أعمق من الصورة.
فالله لا يحتاج منك أن تبدو أمامه كما تريد أن يراك الناس.
لا تحتاج إلى ابتسامة مصطنعة.
ولا إلى بطولة.
ولا إلى رواية محسوبة.
هناك شيء شديد الراحة في أن تعرف أن الإنسان يستطيع أن يعود إلى الله بما هو عليه فعلًا، لا بما نجح في إظهاره للآخرين.
ولهذا قد يكون الصدق مع النفس بداية صدق أكبر في الحياة.
أن تعرف ضعفك دون أن تعبد ضعفك.
أن تعرف خوفك دون أن تسمح له بقيادتك.
أن تعرف احتياجك دون أن تخجل منه.
أن تعرف أنك أخطأت دون أن تجعل الخطأ هويتك.
—
رأيتُه في إحدى الليالي أمام المرآة.
كان قد عاد من العمل.
خلع ساعته.
ثم سترته.
ثم نظر إلى نفسه.
لم يعد هناك مدير.
ولا زملاء.
ولا عملاء.
ولا أحد يحتاج إلى قراراته.
فقط رجل يقف أمام مرآة.
قال:
«أنا مرهق.»
هذه المرة لم يقل:
«أنا بخير.»
لم يحاول أن يصحح الجملة.
تركها كما هي.
ثم جلس.
وبقي صامتًا.
كنت أراقبه.
كان هناك شيء يشبه الراحة.
لأن الحقيقة، مهما كانت ثقيلة، أخف أحيانًا من الجهد المبذول في إخفائها.
—
لكن أن تكون حقيقيًا لا يعني أن تقول كل شيء لكل شخص.
وهذه نقطة مهمة.
الصدق ليس كشفًا كاملًا للذات أمام الجميع.
وليس كل ما نشعر به يجب أن يُقال.
هناك خصوصية.
وهناك حدود.
وهناك نضج.
أن تعرف لمن تتحدث.
ومتى.
وكيف.
لكن أن يكون لك مكان واحد على الأقل تستطيع فيه أن تنزل عن المسرح…
هذا ليس رفاهية.
هذا احتياج إنساني.
قد يكون سجدة طويلة.
أو غرفة هادئة.
أو حديثًا صادقًا مع شخص مأمون.
أو لحظة مع النفس بلا هاتف.
المهم أن يكون هناك مكان لا تحتاج فيه إلى التصفيق.
—
وفي الصباح التالي، عاد إلى عمله.
ارتدى ملابسه.
دخل الاجتماع.
تحدث بثقة.
اتخذ قرارًا.
كان لا يزال هو الشخص المهني.
لكن شيئًا تغير.
لم يعد يعتقد أن الاعتراف بتعبه يجعله ضعيفًا.
ولم يعد يرى أن طلب المساعدة هزيمة.
ولم يعد يشعر أن عليه أن يحمل كل شيء وحده حتى يظل جديرًا بالاحترام.
كان لا يزال قويًا.
لكن قوته لم تعد تحتاج إلى إثبات مستمر.
—
وأنا، النفس التي تراقب من الداخل، أعرف الفرق.
هناك إنسان يبتسم لأنه سعيد.
وإنسان يبتسم لأنه لا يريد أن يشرح.
هناك إنسان يصمت لأنه حكيم.
وآخر يصمت لأنه خائف.
هناك إنسان يقول «لا بأس» لأنه تجاوز الأمر.
وآخر يقولها لأنه لم يجد طريقة أخرى ليقول:
«هذا يؤلمني.»
الجملة واحدة.
لكن خلفها عوالم مختلفة.
ولهذا لا تحكم على الإنسان من صوته فقط.
ولا من ابتسامته.
ولا من نجاحه.
ولا من هدوئه.
فالكاميرا التي تلتقط الصورة من الخارج…
لا تدخل دائمًا إلى الداخل.
—
ربما لهذا نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا من وقت لآخر:
من أكون عندما لا يراني أحد؟
ما الذي يبقى مني عندما لا أحتاج إلى إثبات شيء؟
هل أستطيع أن أجلس وحدي دون أن أهرب إلى الهاتف؟
هل أستطيع أن أعترف لنفسي بأنني تعبت؟
هل أستطيع أن أقول «لا» دون أن أشعر أنني فقدت قيمتي؟
هل أستطيع أن أكون غير مثالي دون أن أشعر بالخجل؟
هل أستطيع أن أترك شخصًا لا يناسبني دون أن أعتبر ذلك فشلًا؟
هذه الأسئلة لا تصنع إنسانًا ضعيفًا.
بل تكشف الإنسان الذي كان مختبئًا خلف قوته.
—
في نهاية اليوم، عاد إلى البيت.
فتح الباب.
هذه المرة لم يغير وجهه.
دخل كما هو.
كان متعبًا.
قال:
«اليوم كان صعبًا.»
لم يسأله أحد لماذا.
ولم يحتج إلى شرح طويل.
جلس.
تنفس.
ثم ضحك عندما سأله طفله عن شيء صغير.
كانت ضحكته مختلفة.
لم تكن أداءً.
كانت حقيقية.
نظرت إليه.
وشعرت أن شيئًا بسيطًا قد عاد إلى مكانه.
ليس لأنه توقف عن ارتداء أدواره.
بل لأنه عرف أن له وجهًا آخر لا يجب أن يضيع بينها.
وجهه هو.
رسالة الفصل
لا مشكلة في أن نؤدي أدوارنا في الحياة.
المشكلة أن ننسى أننا لسنا هذه الأدوار.
قد تكون مديرًا، موظفًا، أبًا، أمًا، شريكًا، صديقًا، مسؤولًا…
لكن كل هذه الصفات أجزاء منك، وليست أنت بالكامل.
احتفظ بمكان تستطيع فيه أن تكون إنسانًا دون أداء.
لأن الإنسان الذي يقضي عمره في إرضاء الصورة التي صنعها عنه الآخرون، قد يكتشف متأخرًا أنه نجح في الحفاظ على صورته…
وفقد نفسه.
تمهيد الفصل القادم
لكن ماذا يحدث عندما يظل الإنسان طويلًا داخل الشخصية التي صنعها؟
يبدأ في اتخاذ قراراته من أجل الصورة لا من أجل الحقيقة.
يشتري لأنه يريد أن يبدو ناجحًا.
يتحمل لأنه يريد أن يبدو قويًا.
يصمت لأنه يريد أن يبدو حكيمًا.
يستمر في طريق لم يعد يريده…
فقط لأنه يخشى أن يراه الآخرون متراجعًا.
وهنا تدخل الكاميرا إلى منطقة أكثر حساسية:
الثمن الذي ندفعه كي نحافظ على الصورة التي يصدقها الناس عنا.






المزيد
خيبة القلب بقلم : سمية عمر عكاشة
استعد أنت القادم بقلم : سها مراد
اليوم مثل الأمس بقلم : عبدالرحمن غريب