“هنا تركتُ أثرًا”
✍ ️بقلم الكاتبة : علياء فتحي (نبض)
هنا كتبتُ يومًا..
لا، لم يكن يومًا واحدًا.. بل مرارًا وتكرارًا.
يومًا أخاطب الصباح، ويومًا أتأمل الطبيعة، ويومًا أشكو إليهما، ويومًا أحلم معهما.
هنا رافقني الصباح صديقًا، وعانقتني نسماته، وارتوت عيناي من جمال أشجاره وسمائه، وسمعت تغريد الطيور لحنًا يطرب الفؤاد ويوقظ في الروح شيئًا من الحياة.
هنا تقاسمت معهم مشاعري وخواطري..
هنا ألف ذكرى وذكرى، وألف شعور عشته وانفردت به مع الطبيعة والقلم؛ بسمة أمل، ودمعة حزن، وألم فراق، واشتياق، ووحدة قاتلة..
هنا دعوات لأحلام، وانتظار طويل..
هنا حيرة وضياع، وحلم ودعاء، ووجع وأمل، وتعب وتعافٍ..
دائرة لا تنتهي من التجارب والمشاعر المختلفة، تتعاقب فيها الأيام كما تتعاقب الفصول، ويظل القلم شاهدًا على كل ما مرّ بالقلب.
وكأنه زمان ومكان مقدس لي..
زمان ومكان يصحبني فيهما الإلهام رفيق درب، توقظه نسمات الصباح، ويستدعيه جمال الطبيعة وهدوؤها في هذا الوقت؛ حيث يكون كل شيء أكثر صفاءً، وأقرب إلى القلب، وأصدق في التعبير عما نعجز أحيانًا عن قوله.
اشتقت إلى تلك اللحظات..
اشتقت إليها، ولعلني أعود إليها ..
وعساك أن تنتظرني، يا صديقي الصباح..
هنا، في المكان نفسه، وفي الزمان نفسه، حيث النقاء والصفاء..
حيث شروق يتلو غروبًا صعبًا، ونهار يعقب ليلًا طويلًا، وشمس تشق الكون بنورها، وتحمل معها أملًا بعيدًا، لكنه يبدو بها قريبًا.
هنا أرى الطرقات، وأتذكر كم خطوة مضيت فيها..
وكم مكانًا ذهبت إليه أيامًا، ثم مضت الأيام وبقيت الأماكن تحمل معها أجمل الذكريات التي ما زلت أشتاق إليها.
أيام نقية جميلة، وصحبة طيبة، وبيئة عمل نظيفة، بصحبة أبرأ الكائنات..
كانت تصاحبنا ضحكة الأطفال..
نمرح، ونلعب، ونتعلم..
نصغر معهم أعوامًا وأعوامًا، وكأن الطفولة كانت تعود إلينا من خلالهم، فننسى أثقال الحياة قليلًا، ونعيش معهم بساطة اللحظة وصدقها.
كانت أحلامهم بريئة، نشاركهم فيها..
نرسم، ونلعب، ونلهو، ونصنع أشياء، ونبني أحلامًا، ونغرس أحلامًا، ونربي أجيالًا، وننشر علمًا..
كانت رسالتنا جميلة..
كنت أزرع أملًا وفرحًا، وأحصد حبًا نقيًا صافيًا..
وتركت أثرًا أتمنى ألا يُمحى، كما أتمنى أن أسمع عنهم كل خير، وأن تظل خطواتهم تمضي نحو ما هو أجمل، وأن أطمئن يومًا إلى أنهم كبروا، وحققوا شيئًا من أحلامهم، وأن شيئًا مما زرعناه في قلوبهم قد أثمر.
وألا ترحل الذكريات برحيل الأماكن وأصحابها..
فكم هو مؤلم أن نكتشف أن بعض الأماكن لم تكن مجرد أماكن، وأن بعض الوجوه لم تكن مجرد وجوه، وأن بعض الأيام لم تكن مجرد أيام؛ بل كانت أجزاءً منا، تركت في أرواحنا أثرًا لا تمحوه المسافات ولا مرور السنوات.
وكأن حياتنا كلها فترات..
لا شيء يدوم فيها إلى الأبد.
وكل لحظات نحبها ترحل سريعًا، مهما تمنينا لها البقاء، ومهما حاولنا أن نحتفظ بها كما هي.
كم أحلم أن أصنع ذكريات أخرى بنفس النقاء والجمال..
بنفس الحب والإخلاص..
بنفس الأهداف النبيلة السامية.
ربما أحاول، في كل شيء أفعله، أن أؤدي أفضل رسالة، خالصة لوجه الله تعالى، وأن أزرع خيرًا، وأن أترك أثرًا طيبًا، مهما وجدت من صعاب ومتاعب، ومهما قابلت من ظروف مختلفة، وبيئات عمل مختلفة.
فليست قيمة ما نفعله بما نحصل عليه منه فقط، وإنما بما نتركه خلفنا من أثر، وبما نغرسه في القلوب، وبما يبقى من خير بعد أن نمضي.
فاللهم استخدمنا ولا تستبدلنا، واجعلنا أثرًا طيبًا..
وارزقنا نورًا في دروبنا، وصحبة طيبة..
ووفقنا لما تحب وترضى، وارزقنا الصبر والقوة والحكمة..
ويسّر الخير لنا، وأنر بصيرتنا للطريق السليم.
واللهم مع هذا الصباح، ارزقنا أملًا يضيء أيامنا، وأرشدنا طريقًا لا نضل فيه ولا نشقى، واغفر لنا، وارزقنا حسن الخاتمة، واجعلنا نلقاك مطمئنين مستبشرين، يا رب العالمين.






المزيد
حين تفضحُ الأرواحُ ما تسترُه الوجوه بقلم : سمية عمر عكاشة
هل تنتظر الغد أم لا ترغب به ! بقلم : سها مراد
لن يعودَ يَعْنيني أَبَدًا بقلم الكاتبة أماني سعيد