حين تكشف النهايات حقيقة البدايات
بقلم ابن الصعيد الهواري
كنتُ أظن أن طيبة القلب تكفي، وأن حسن النية قادرٌ على أن يجعل كل شيء جميلًا، فكنتُ أبدأ مع الجميع بقلبٍ صافٍ، وأمنحهم من الود ما أستطيع، وألتمس لهم الأعذار حتى حين كان العذر أضعف من أن يُقال.
لكنني تعلّمت مع الأيام أن الإنسان لا يُعرف حقًّا في بدايات الطريق، فالبدايات كثيرًا ما تكون جميلة، والكلمات فيها عذبة، والوعود كثيرة، والوجوه تبتسم للجميع. أمّا الحقيقة، فتظهر حين تضيق المسافات، وحين تنتهي المصلحة، وحين يصبح الوفاء موقفًا لا مجرد كلمات.
وفي كل مرة كنت أكتشف فيها معدن أحدهم، كنت أعود إلى نفسي مثقلًا بالعتاب؛ لا لأنهم خذلوني فحسب، بل لأنني كنتُ ألوم قلبي الذي أعطاهم أكثر مما يستحقون، وصمتي الذي أخفى وجعي، وتسامحي الذي جعلني أعود إلى الأماكن نفسها التي كسرتني مرارًا.
لم أعد أخشى من رحيل أحد، فقد أدركت أن بعض الرحيل نجاة، وأن فقدان بعض الأشخاص ليس خسارة، بل استرداد لجزء من النفس ضاع في محاولات إرضائهم.
أصبحت أخاف على نفسي أكثر من أي شيء آخر؛ أخاف أن أعود إلى عادتي القديمة، فأهمل قلبي من أجل أشخاص لا يشعرون بتعبه، وأن أستهلك روحي في سبيل من لم يحاولوا يومًا أن يخففوا عنها شيئًا.
لقد دفعتُ من نفسي كثيرًا لأجل من لم يكونوا يستحقون، وأعطيتُ من وقتي واهتمامي وصدقي لمن مرّوا في حياتي وكأنني لم أكن يومًا جزءًا منها.
لذلك، إن بدا مني اليوم شيء من البعد، فلا تظن أنني تغيّرت بلا سبب؛ أنا فقط تعلّمت أن أضع لكل إنسان قدره، وأن أحفظ ما تبقى مني لمن يستحق، وأن أكون رحيمًا بنفسي بعدما كنتُ قاسيًا عليها من أجل الآخرين.
فليس كل من بدأ معنا الطريق سيكمله، وليس كل من ابتسم في البداية سيبقى حين تأتي النهاية؛ فالنهايات وحدها قادرة على أن تكشف حقيقة القلوب، وأن تضع كل إنسان في المكان الذي اختاره لنفسه.
“الحكمة”
**الاصول بتبان في نهايات أما البداية حلوه مع الكل
ومش خايف غير لنفسي عشان جيت عليها كتير
عشان ناس متستهلش
الله غالب**






المزيد
خيبة القلب بقلم : سمية عمر عكاشة
استعد أنت القادم بقلم : سها مراد
اليوم مثل الأمس بقلم : عبدالرحمن غريب