مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عيد ميلاد أخ بقلم بلال حسان الحمداني

عيد ميلاد أخ
بلال حسان الحمداني
16/8/2008 –
16/8/2026
شقيقي الحبيب أبا قاسم..
ها أنا أخطُّ لك هذه الكلمات وقد أتممتَ عامك الثامن عشر. إنها مصادفة جميلة أن نكون -أنت وأنا وأختنا رواسي- قد وُلدنا في هذا الشهر، لكنّ ولادتك كانت مختلفة؛ فبعد أن غاب عن بيتنا لخمس سنوات صوتُ طفلٍ يغني ببكائه ويملأ البيت لعباً وأنساً، أطلّت شمسك. لم أكن قد اختبرتُ من قبل شعور أن يكون لي أخ صغير ألاعبه، فأهديتني هذا الشعور وأنا في الثامنة من عمري.
حينما وُلدت، كنتَ كأنك أول مولود يحلّ في بيتنا، فلا تعلم مقدار فرحة أبي وأمي بقدومك. كانت أمي تملأ البيت أهازيجَ تغنيها لك، وألقاباً طفولية مضحكة تطلقها عليك، وتنظر إليك وأنت نائم وتهمس لي: “انظر إلى هذا الملاك”. أما أبي فلم يبرح يحملك بين ذراعيه ويطوف بك البيت، وأذكر مرةً أنه طَرق الباب وكان على مقربة منه، فلم يَرْمِكَ من يده، بل حملك بيد واحدة من ظهرك وفتح الباب.
أما أنا، فقد كنت أخشى عليك من نسمة هواء تصيبك فتؤذيك. حينما حملتْك جدتُك إلى زوج عمتك الدكتور محمد، كنت أسير بجانبها وأضع يدي تحت يديها بخوف طفولي من أن تسقط، وكانت تضحك من فعلي. كنت أهزك حتى تنام، وأُشربك الحليب. ولم يكن حبك مختزلاً في بيتنا فحسب، بل طاف بيت جدك؛ فأحبتك جدتك وجدك أيما حب، وتهلّل جُلّ أعمامك وأخوالك فرحاً بقدومك بعد أن حُرم بيتنا من الأطفال، ومن بينهم خالك “رعد” الذي كانت صورتك تزين واجهة هاتفه وقد كُتب عليها: “أجمل طفل”. أما أخوك الشهيد سعد، فهذا الذي تعجز أحرفي عن أن تصف لك حبه إياك، كي لا أنكأ جرح فقده الذي لا يندمل مهما حاولنا.
أما الآن، فلا تعلم مقدار فخري بك وأنا أكتب عنك وقد بلغتَ مبلغ الرجال، وبدا شاربك ولحيتك يزينان وجهك. ها أنت اليوم على أعتاب الجامعة تتأهب لولوجها، فلله درّ السنين وما أسرع انقضاءها! تسع سنوات مضت منذ فارقتك والأهل لأشق طريقي في الغربة. وحينما عدتُ بعد سنتين، وكنتَ آنذاك في الحادية عشرة من عمرك، وهممتُ بالعودة لمتابعة دراستي؛ لحقتني بدموعك تود مرافقتي، فقطعَتْ دموعك الطفولية نياط قلبي.
عزّ عليّ أن تبلغ مبلغ الرجال وأنا في منأى عنك، وكلانا بحاجة أخيه. لكن الله منّ عليّ برؤيتك -رغم ملمتي- وقد بلغتَ السادسة عشرة حينما نُفيتُ إلى بلدي. لقد أصبحت تطاولني، ورغم قسوة تلك الأيام، إلا أن وجودك خفف وطأتها عليّ، فكنتَ لي سلوة وعزاءً إذ لم يتسنّ لي آنذاك لقاء الأهل. قضيتُ معك أياماً كنا نخفف مضاضتها بضحكنا ومزاحنا، ولا سيما بحسك الفكاهي وروحك المرحة، واحتفلنا بنكات وسخرية مريرة حين طرقت ساعة مولدك، وما زالت تلك اللحظات ترتسم في مخيلتي.
ورغم أني كنت أشتعل غضباً منك لبعض الأمور، إلا أنني كنت أكتم غيظي؛ إذ لا أستطيع أن أراك إلا ذلك الطفل الذي كنت أداعبه قبل سنوات، وستظل هكذا في عيني ما حييت. لكنك لا تعلم نظرة الفخر التي كنت أنظر بها إليك وأنا أرى صفات الرجولة، والنضج، وحُسن منطقك، ورونقك، وكما قال ابن الرومي:
عَلى حينِ شِمتُ الخَيرَ مِن لَمَحاتِهِ … وَآنَستُ مِن أَفعالِهِ آيَةَ الرُشدِ
لذلك أتوسم الخير بك بما هو أعظم إن شاء الله. لقد كنتَ المنير لي في أحلك أيام حياتي في منفاي، وكنت تسعى جاهداً -ولو بدوت كمهرج- لتستجدي ضحكة مني في خضم الألم، ولكم كنت أستوحش كلما غبتَ عني. الآن، وأنا أكتب لك هذه الكلمات بعد سنتين، أحنّ لتلك الأيام رغم وحشتها، وأتمنى لو تُعاد ولكن على خير.
ها أنت قد تخرجت في البكالوريا، وإن كانت العلامة لا ترضيك، لكني على ثقة بأنك ستحقق مرادك، والله قادر. أوصيك بتقوى الله وبالعلم؛ فإنك ستلج الجامعة، وهي سلاح ذو حدين، ومكان لم يعد لطلب العلم كما كان، بل أمسى مرتعاً لكثير من الفتن، والفجور، والعصيان، والعلاقات المحرمة.
أوصيك أولاً أن تعفّ نفسك وتحفظها من كل سوء، وأن تتجلبب بثوب العفاف والطهر، وأن تغض طرفك عن المناظر المخزية التي يُحزن القلبَ من كمدٍ مرآها. ضع الله نصب عينيك، لعلك تصل درجة الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وبعد الله، ضع الوالد الشيخ نصب عينيك، وتذكر مكانته، وأنه رباك على مكارم الأخلاق، وإن بدت منه قسوة عليك في زمن مضى، فستعلم أنها كانت حباً ورغبة في أن يراك كما يحبك الله وكما يحب هو.
ثانياً، ألا تقصر همك على فتات العلم الذي ستقتاته من الجامعة؛ واعلم أن هذا أسوأ اختراع في هذا العصر، فلم يخرج علماء ولا كبار، فما سمعنا بعظيم اقتصر علمه على مقررات جامعة زهيدة ونبغ في العلم! لذلك، اعتمد على نفسك، والتهم الكتب التهاماً، واجعل الكتاب أنيسك في وحدتك، ورفيقك في سفرك، وجليسك في غربتك، وتذكر قول المتنبي: “وَخَيرُ جَليسٍ في الأَنامِ كِتابُ”.
وأي فرع ستختاره، لا تقصر همتك عليه، بل اجعل لنفسك زوادة من علم الشريعة والعربية؛ فهما التوأمان اللذان لا غنى لأحدهما عن الآخر، وبهما -إن أخلصت لله- فلاحك في دنياك وآخرتك،
فلا تهمل هذين العلمين، واجعلهما نبراساً لك. تأسَّ بأبيك؛ رجل الشريعة والعربية الذي عمل بهما لله، ونصرةً لدينه، وذباً عن رسوله ﷺ، وإن كلفه الأمر ما كلفه من سجن وظلم.
أخيراً، أتمنى لك عمراً غالياً وثميناً، تحياه بحب الله والرسول والعلم، وأن تبلغ قمم الجبال في العلم والمعرفة. أسأل الله أن يغمرك بسعادة غامرة، وهناء، وحب نقي طاهر يرضيه بعيداً عن طرق الحرام، وأن يرزقك رضا والدينا؛ فهما وصيتي لك ولإخوتك إن غبت. فما فارقتهم إلا وأنا مطمئن أن ورائي رجلاً يحمل ما كنت أحمل.
حفظك الله أنى حللت، وكتب لك الخير حيث كان ثم أرضاك به. جعلك الله ممن طال عمرهم وحَسُن عملهم. أشهر قليلة تفصلني عن أن تقر عيني برؤيتك ورؤية الأهل والأحباء.
أخوك الحزين إلى أن يعانقك ويعانق الأهل..
بلال (أبو سعد)
قونيا – 7/8/2026