مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

انقطاع الكهرباء… أسئلة مشروعة وإجابات منتظرة

بقلم/ وهيبة جمال عبد الكريم

لا أخفيكم سرًا… كثير من مقالاتي لا تولد في المكاتب المغلقة ولا بين أكوام الكتب، بل تبدأ غالباً من موقف عابر، أو حوار، أو حتى من مقطع مصور قصير صادفته على منصة “فيسبوك”.

قبل أيام، استوقفني مقطع مصور لم تتجاوز مدته الدقيقة الواحدة، يزعم صاحبه أن الجزائر تمتلك 12 محطة لتوليد الكهرباء، وأن ثلاثًا منها متوقفة عن العمل منذ سنوات بسبب تعذر استيراد قطع الغيار، وأن ذلك هو السبب المباشر وراء انقطاعات الكهرباء. وبينما كان المقطع يتحدث أيضًا عن تصدير الجزائر للكهرباء إلى دولة النيجر، انتهى الفيديو فجأة قبل أن يكتمل، أو ربما كان مبتورًا ومقتطعاً منذ البداية! لكنه، رغم قصره، ترك في ذهني عشرات علامات الاستفهام والشكوك.

ولأن الحقيقة الراسخة لا تُبنى أبداً على مقطع عابر في الفضاء الأزرق، وجدت نفسي أبحث عن إجابات موثقة؛ فلسنا مطالبين بتصديق كل ما يُنشر وتداوله العابرون، كما أننا لسنا مطالبين بتكذيب كل شيء بالكلية. ما نحتاجه حقًا هو المعلومة الرسمية الواضحة والموثقة.

أولاً: أسئلة مشروعة وبناء الثقة

من حق المواطن البسيط أن يعرف بوضوح:

 كم عدد محطات إنتاج الكهرباء في بلده؟

 كم منها يعمل بكامل طاقته التشغيلية؟

 وهل توجد محطات متوقفة بالفعل؟ ولماذا؟

 وإذا كانت هناك صعوبات لوجستية، فما هي طبيعتها؟ وما هي الخطة المتبعة لتجاوزها؟

هذه الأسئلة ليست تشكيكًا في مؤسسات الدولة الوطنية، بل هي جزء أصيل من العلاقة الطبيعية والصحية بين المواطن والإدارة؛ فالشفافية التامة لا تضعف الثقة أبداً، بل تبنيها وترسخها.

وبالرجوع إلى البيانات والمعلومات الرسمية المعلنة، لا نجد حتى الآن ما يؤكد أو يثبت هذه الادعاءات المتداولة؛ فلم يصدر عن مجمّع “سونلغاز” أو وزارة الطاقة والمناجم أي تصريح يثبت وجود ثلاث محطات متوقفة منذ ثلاث سنوات بسبب تعذر استيراد قطع غيار، أو بسبب أزمات الملاحة في مضيق هرمز.

ثانياً: تفكيك الادعاءات والربط التقني

وفي المقابل، هناك حقيقة موضوعية ومثبتة لا خلاف عليها، وهي أن الجزائر أنجزت محطةً لتوليد الكهرباء في العاصمة النيجرية “نيامي” بقدرة 40 ميغاواط، بتمويل وتنفيذ جزائريين خالصين، في إطار التعاون الإستراتيجي بين البلدين. وقد أُعلن عن هذا المشروع الإنساني والتنموي رسميًا بكل وضوح، وهو أمر محمود ومشرّف ما دامت الإمكانات الوطنية تسمح بذلك.

لكن الربط العشوائي بين هذا المشروع الإقليمي وبين أي انقطاعات للكهرباء داخل الجزائر يحتاج إلى أدلة تقنية دقيقة، ولا يمكن اعتباره استنتاجًا صحيحًا لمجرد تزامن الحدثين.

فكمية الكهرباء الموردة أو المقدمة لدولة مجاورة تعتبر محدودة مقارنة بحجم الإنتاج الوطني الضخم، كما أن الانقطاعات في بعض المناطق والولايات قد تكون ناجمة عن أعطال طارئة في شبكات النقل والتوزيع أو الضغط العالي، وليس بسبب نقص في الطاقة الإنتاجية.

ثالثاً: خطورة الفراغ المعلوماتي

لقد كان ذلك المقطع المصور مجرد شرارة عابرة، أما القضية الحقيقية فهي أوسع وأعمق بكثير من فيديو قصير. إنها قضية حقنا الأكيد في الوصول إلى المعلومة الصحيحة؛ لأن الفراغ المعلوماتي لا يملؤه إلا الاجتهاد الشائعة، والاجتهاد القائم على التكهن يفتح الأبواب مشرعة أمام الإشاعات وتضليل الرأي العام.

ولعل الوقت قد حان لتصبح البيانات والمؤتمرات الرسمية هي المصدر الأول والأخير للمواطن، بدلًا من أن يظل يبحث عن حقيقة ما يتعلق بممتلكاته وخدماته العامة بين المقاطع القصيرة والتعليقات المتداولة دون تثبت.

فالمرافق العمومية هي ملكٌ أصيل للشعب، ومن حقه أن يعرف كيف تُدار، وكيف تُحمى، وما التحديات التقنية التي تواجهها، وما الخطط المستقبلية الموضوعة لتطويرها وتحسين خدماتها.

خاتمة ورسالة:

إن الشفافية ليست ترفًا إدارياً، بل هي حقٌّ مواطني أصيل، والحق لا يُصان إلا بالوعي، ولا يترسخ إلا بالمعلومة الدقيقة والمسؤولة.

ولذلك، فإن أفضل وأقوى رد على أي ادعاء متداول ليس الجدل العقيم أو الصمت، بل المعلومة الرسمية الموثقة والواضحة. فحين تكون الحقيقة متاحة للجميع بشفافية، لن يضطر المواطن للبحث عنها في مقطع لا يتجاوز دقيقة واحدة على منصات التواصل الاجتماعي.