آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة
الكاتب هانى الميهى
الفصل الأول
السر
قد تبدو اليد رقيقة للعين، لكنها قد تحمل من الأوجاع ما تعجز الجبال عن حمله.
هناك أيدٍ تعرفها الحياة من أول لمسة. أيدٍ لم تتعلم أن تؤذى أحدًا، ولم تُخلق لتنتزع حقًا، ولم تمتد يومًا لتسرق، أو لتبطش، أو لتكسر قلبًا. أيدٍ اعتادت أن تعجن الخبز قبل أن تأكل، وأن تمسح دمعة غيرها قبل أن تبحث عن دموعها، وأن ترفعها إلى السماء كلما ضاقت الأرض بما رحبت. يراها الناس هادئة، مطمئنة، ناعمة، لكن أحدًا لا يرى ما يختبئ تحت هذا الهدوء من شقوق لا تظهر، ولا يسمع صوت التمزق الذى يحدث فى الداخل كل يوم.
كم من يدٍ بدت للناس مطمئنة، بينما كانت تخوض حربًا لا يعرفها أحد؟ وكم من ابتسامة أخفت خلفها ليالى طويلة من الدعاء، ومن الانتظار، ومن الأسئلة التى لم تجد جوابًا؟ إن الإنسان لا يُقاس بما يظهر على وجهه، بل بما أخفاه حتى لا يثقل قلب من يحب.
نحن نحكم على الأيدى بما تحمله، ولا نحكم عليها بما حملته. نرى الأم وهى تضم أبناءها، ولا نرى الليالى التى سهرت فيها خوفًا عليهم. نرى الزوجة تعد الطعام، ولا نرى الأحلام التى دفنتها كى يبقى البيت قائمًا. نرى المرأة صامتة، فنظن أن الصمت راحة، بينما قد يكون آخر ما تبقى لها بعد أن استنزفتها الحياة.
ليست كل الأيدى الممزقة تنزف دمًا، فبعضها ينزف صبرًا. وبعضها ينزف انتظارًا. وبعضها ينزف يقينًا يحاول أن يبقى حيًا رغم كل ما يحيط به من انكسارات. والتمزق الحقيقى ليس أن تتشقق البشرة، بل أن يتشقق الرجاء ثم يعود صاحبه فيجمعه مرة أخرى، ويقف بين يدى الله وكأنه لم ينكسر أبدًا.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس المصيبة نفسها، بل أن يشعر أنه مطالب بأن يبدو قويًا طوال الوقت. كأن العالم لا يسمح له بأن يتعب، ولا يمنحه حق الاعتراف بأنه لم يعد يعرف كيف يحمل ما بين يديه. فيتعلم أن يبتسم وهو موجوع، وأن يطمئن الآخرين بينما هو يبحث عمن يطمئنه، وأن يربت على أكتاف الناس بينما كتفه هو مثقل بما لا يقال.
لكن الله لا ينظر إلى نعومة اليد، بل إلى ما حملته تلك اليد فى صمت. يعلم كم مرة ارتفعت بالدعاء قبل أن ترتفع بالشكوى، وكم مرة أمسكت بدموعها حتى لا يراها أحد، وكم مرة اختارت الحلال رغم أن طريقه كان أطول، وكم مرة قاومت نفسها لتبقى وفية لما تؤمن به.
لهذا، فإن الأيدى الناعمة ليست أيديًا ضعيفة، بل قد تكون أقوى من أيدٍ اعتادت البطش. فالقوة ليست فى القبضة، بل فى القدرة على ألا تتحول إلى نسخة من القسوة التى واجهتها. وأعظم الانتصارات أن يبقى القلب رحيمًا بعد كل ما مر به.
ربما لهذا السبب، لا تبدأ الحكايات العظيمة بصوت مرتفع، بل تبدأ بيدٍ تبدو عادية فى نظر الجميع… بينما تحمل بين خطوطها تاريخًا كاملًا من الصبر، والخوف، والرجاء، واليقين.
ولعل الكتاب كله ليس إلا محاولة لقراءة تلك الخطوط التى لم ينتبه إليها أحد.
رسالة الفصل
ليس كل ما يبدو ناعمًا عاش حياة سهلة، فبعض الأرواح أخفت تمزقها حتى ظن الناس أنها لم تتألم يومًا.
تمهيد الفصل الثانى
لكن وراء كل يدٍ ممزقة… سؤال لا يهدأ، سؤال يهمس به القلب حين يعجز العقل عن الفهم:
“لا أدرى… ما الذنب الذى اقترفته؟”






المزيد
من أرض الإيمان بقلم : فاطمة هلال
اعتذارٌ لا يعرف طريقه بقلم : الكاتبة هبه أحمد
ألحان قلمي بقلم : أسماء علي محسن