مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ميتامورفوز الرعب بقلم ميسوم صاروطي

ميتامورفوز الرعب
الهروب من الهشاشة إلى توحّش الأقنعة

في أروقة النفس البشرية المظلمة، لا يُعد الخوف مجرد انفعال غريزي عابر يُحفّز استجابات البقاء الكلاسيكية من هرب أو مواجهة؛ بل هو قوة نحت وجودية تُعيد صياغة المعنى وتبدّل خرائط الهوية وتفكك بنية الذات حين يطول أمد التهديد ويتعذر الخلاص، وتصل هذه القوة ذروة تعقيدها السيكولوجي حين ينقلب الخائف على كينونته الأصلية ويتخلى عن ضعفه الإنساني المتألم، ليرتدي قناع من سحقه.

هنا تحديداً تبرز الظاهرة الأكثر إثارة للفزع والشفقة معاً في علم النفس التحليلي والاجتماعي “الخائف الذي يستعير وجه جلّاده”.

حين يُحاصَر الإنسان بخطر دائم وقاهر يفوق قدرته على الرد أو الفرار، يُصاب الوعي بما يُعرف بـ العجز المكتسب؛ في هذه اللحظة يصبح الألم النفسي الناجم عن الشعور بالضعف والهوان أشد فتكاً من الألم الجسدي ذاته. إن إدراك الذات كـ “ضحية لا حول لها” يحمل عبئاً وجودياً غير محتمل، إذ يضع الفرد وجهاً لوجه أمام هشاشته المطلقة والعدمية.
لمواجهة هذا التفكك الداخلي، تلجأ النفس إلى آليات دفاعية لا شعورية بالغة التطرف، وفي مقدمتها ما صاغه المحلل النفسي ساندور فيرينتزي وعمّقته لاحقاً آنا فرويد: التماهي مع المعتدي (Identification with the Aggressor).

هذا التماهي ليس نفاقاً واعياً أو استسلاماً براغماتياً، بل هو تحول بنيوي في مركز الإدراك؛ حيث تُجري الذات عملية مقايضة لا شعورية قاسية؛ التخلي عن موقع “المفعول به” الخائف والقفز إلى موقع “الفاعل” المخيف، يتحول الخائف من كائن تُمارَس عليه القوة، إلى كائن يمارسها ولو على نحو رمزي أو على من هم أضعف منه، فقط لكي يتخلص من سمّ الضعف المقيم في أحشائه.
تكمن المفارقة المأساوية في أن استعارة وجه الجلاد تتطلب بالضرورة محو الوجه الأصلي للضحية، يستعير الإنسان قسوة معذبه، يجب عليه أولاً أن يخنق كل نبضة شفقة في صدره، التعاطف مع الضعفاء الآخرين يُذكّره فوراً بضعفه المدفون، لذا يُصبح الضحية القديمة أشد احتقاراً للضحايا الجدد وأكثر مبالغة في تبرير بطش الجلاد.
يُقنع الخائف نفسه بأن الجلاد يمثل الحق، أو النظام، أو القوة الحتمية التي لا مفر منها. يتبنى لغته، نبرة صوته، مبرراته الأخلاقية، بل وحتى منطقه الملتوي في تسويغ الأذى؛ تنشطر الذات إلى قسمين، قسم مرعوب محبوس في القاع وقسم متسلط يرتدي قناع القوة في الواجهة، هذا الانشطار يولد توتراً داخلياً مزمناً يتم تفريغه عبر شراسة مضاعفة تجاه العالم الخارجي.

لا تقتصر هذه الظاهرة على الأفراد داخل غرف التحقيق أو العلاقات السامة المشوهة، بل تمتد لتشكل عصباً رئيساً في سيكولوجيا الجماهير والأنظمة الشمولية، في المجتمعات التي ترزح طويلاً تحت وطأة الترويع والقمع، يميل الوعي الجمعي تدريجياً إلى عبادة السوط لا محاربته؛ يصبح المستبد نموذجاً يُحتذى وتغدو مفردات القهر والسيطرة هي المعيار الأسمى للرجولة أو الوطنية أو النجاح.
الخوف الجمعي غير المعالج يُفرّخ شبكة واسعة من الجلادين الصغار؛ الموظف المقهور الذي يقهر المراجعين، الأب المعنف الذي يمارس السطوة ذاتها على أسرته والمواطن الذي يتطوع لمراقبة جاره والتنكيل به؛ كل هؤلاء يستعيرون ملامح الطاغية لكي يشعروا للحظة واحدة بأنهم ليسوا تحت قدميه، بل يقفون معه في صف واحد، مع مرور الوقت يفقد المستعير قدرته على نزع القناع، يتصلب الوجه المصنوع من جلد الجلاد ليصبح هو الهوية الوحيدة المتبقية وحين يزول الجلاد الأصلي، يسارع الخائفون إلى تنصيب بديل له، أو يتصارعون لملء فراغه بنفس أدواته الوحشية، خشية العودة إلى مواجهة فراغهم وعجزهم الأصلي.

إن كسر هذه الحلقة الجهنمية لا يبدأ بتحدي الجلاد الخارجي، بل بمواجهة المرآة، التحرر الحقيقي يتطلب شجاعة نادرة للاعتراف بالخوف دون خجل وقبول الهشاشة الإنسانية دون اعتبارها عاراً يستوجب الاستتار خلف رداء البطش، لا يمكن للضحية أن تتعافى طالما أنها تقيس نجاتها بمقدار ما تستطيع إلحاقه من أذى بالآخرين، أو بمدى قدرتها على محاكاة سطوة من ظلمها.

إن أعظم انتصار يحققه القهر ليس في إخضاع الأجساد، بل في إفساد الأرواح وجعلها تعتقد أن السبيل الوحيد لتفادي السوط هو أن تصبح يداً تمسك به وحين يرفض الخائف ارتداء قناع جلاده ويختار أن يبقى إنساناً متألماً على أن يصير مسخاً متجبراً، تسقط أولى حلقات السلسلة ويبدأ الوجه الحقيقي للحرية في التشكل.

بقلم: أ. ميسـوم صاروطي ✍🏻 – الجزائر