مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

فرح لا يشبهنا بقلم هاني الميهى

الحلقة العاشرة: فرح لا يشبهنا
الكاتب : هاني الميهى

ما لم نتفق عليه
كان توقيع عقد الشقة أول قرار كبير يتخذانه دون أن ينتظرا موافقة الجميع، لكنه لم يكن نهاية الضغوط كما تخيّلا. فما إن استقرت الأوراق في الملف، حتى بدأت الأسئلة تتغير.

لم يعد أحد يسألهما أين سيسكنان، بل متى سيتزوجان، وأين سيُقام الحفل، وكم عدد المدعوين، وهل اختارا القاعة أم لا.

كان لكل سؤال إجابة تنتظرها العائلتان، ولكل إجابة اقتراح جديد.

في مساء الخميس، جلس كريم وسلمى في الشقة التي استأجراها للمرة الأولى بعد استلام المفتاح. لم يكن فيها أثاث بعد، سوى مقعدين أحضرهما كريم من مخزن والده، وطاولة صغيرة وضعا عليها ملف العقد وبعض الأوراق.

فتح كريم النافذة، ثم وقف يتأمل الشارع.

قال مبتسمًا:

— أصبح لدينا عنوان أخيرًا.

نظرت سلمى إلى المفتاح الموضوع فوق الملف.

— عنوان، لكنه لا يزال يحتاج إلى كثير من العمل.

— سننجز ذلك خطوة خطوة.

لم تجبه. كانت تشعر بارتياح حقيقي، لكنها لم تستطع منع نفسها من التفكير في الأشهر الثلاثة المقبلة. تجهيز الشقة، ومصاريف الزواج، والعمل، والتزامات الأسرة. بدا الوقت أقصر مما كان عليه قبل أن يصبح لكل شيء موعد محتمل.

أخرج كريم هاتفه، وأراها رسالة من والده يسأله فيها عن موعد عقد القِران والحفل.

قال:

— أبي يريد أن نحدد موعدًا حتى يبدأ في ترتيب الأمور.

سألته:

— وهل فكرت في موعد مناسب؟

— بعد ثلاثة أشهر، كما تحدثنا.

تأملت سلمى وجهه قبل أن تجيب.

— أريد أن نحدد الموعد، لكنني أريد أيضًا أن نتفق على شكل اليوم نفسه.

ضحك كريم بخفة.

— تقصدين القاعة والضيوف والطعام؟

— أقصد أن نعرف ما الذي نريده نحن، قبل أن نبدأ في تنفيذ ما يتوقعه الآخرون.

أغلق كريم هاتفه، وأعاد المفتاح إلى مكانه.

لم يكن يتصور أن الحديث عن حفل الزواج سيحتاج إلى وقت طويل. فقد اعتاد أن يرى الحفل مناسبة عائلية يتولى الأهل ترتيب معظم تفاصيلها، بينما يقتصر دور العروسين على الموافقة والاختيار بين البدائل المتاحة.

أما سلمى، فكانت ترى أن الحفل أول مناسبة ستعلن أمام الجميع طبيعة الحياة التي يبدآنها. لم تكن تريد يومًا متكلفًا، ولا صورًا تبدو جميلة بينما يدفعان ثمنها من راحتهما بعد ذلك.

قالت:

— أريد حفلًا بسيطًا، نستطيع أن ندفع تكلفته دون أن نستدين أو نؤجل احتياجات البيت.

أجاب كريم:

— وأنا لا أريد أن ننفق أكثر مما نستطيع. لكن علينا أن نراعي أهلنا أيضًا. أبي وأمي ينتظران هذا اليوم منذ سنوات، وكذلك أسرتك.

— لا أعترض على فرحهم، لكن هل يجب أن يكون عدد المدعوين أكبر من قدرتنا حتى يشعروا بالسعادة؟

لم يجب فورًا.

كان يعرف أن والده يتحدث عن الحفل باعتباره مناسبة تجمع الأقارب الذين لم يلتقوا منذ زمن، وأن أمه بدأت بالفعل تتخيل اليوم وتفاصيله. وكان يعرف أيضًا أن بعض أقاربه سيعتبرون عدم دعوتهم تجاهلًا، وأن أسرته لن تتعامل مع قائمة المدعوين باعتبارها أرقامًا يمكن حذف بعضها بسهولة.

قال:

— لا أريد أن يشعر أحد بأننا نستبعده.

أجابته سلمى:

— ولا أريد أن نشعر نحن بأننا ضيوف في حفل زواجنا.

ابتسم كريم، لكنه لم يعلق. كانت العبارة موجزة، ومع ذلك وضعت أمامه سؤالًا لم يفكر فيه: لمن يُقام هذا اليوم فعلًا؟

—

بعد يومين، اجتمعت العائلتان في منزل أسرة سلمى. كان اللقاء مخصصًا لتحديد موعد الزواج، لكن الحديث انتقل سريعًا إلى القاعة وعدد المدعوين.

أحضرت والدة سلمى دفترًا صغيرًا كتبت فيه أسماء أقاربها، بينما فتح والد كريم هاتفه لعرض صور قاعات سبق أن زارها أحد معارفه.

قال والد كريم بحماس:

— هناك قاعة جيدة في أحد الفنادق، وسعتها مناسبة. وإذا حجزنا مبكرًا، يمكننا الحصول على سعر أفضل.

تصفحت والدة سلمى الصور، ثم سألت عن موعد الحجز.

أجاب الأب أن بعض المواعيد متاحة بعد ثلاثة أشهر، لكنه أشار إلى أن عليهما اتخاذ القرار سريعًا.

كانت سلمى تجلس بجوار كريم، تتابع الحديث دون أن تقاطعه. وحين بدأ والدها يسأل عن عدد المدعوين، قالت:

— نريد أن نحدد العدد أولًا، ثم نختار المكان المناسب له.

نظر إليها والد كريم مبتسمًا.

— بالطبع، لكن لا يمكن أن نقيم حفلًا عائليًّا بعدد محدود جدًّا. هناك أقارب وأصدقاء لا يصح أن نغيبهم.

قال كريم:

— يمكننا أن نضع قائمة أولية، ثم نرى ما تسمح به الميزانية.

أخرجت والدة سلمى دفترها، وبدأت تقرأ بعض الأسماء. كان بعضها لأشخاص لم ترهم سلمى منذ سنوات، وبعضها لأقارب بعيدين لم تجمعها بهم علاقة تتجاوز المناسبات العائلية.

لم تعترض على الأسماء، لكنها سألت عن العدد الإجمالي.

أجابتها أمها بأن القائمة لم تكتمل بعد.

قالت سلمى بهدوء:

— ربما علينا أن نحدد سقفًا للعدد، حتى لا نختار القاعة قبل أن نعرف كم شخصًا سندعو.

توقفت أمها عن تقليب الصفحات.

— وهل سنحسب الناس بهذه الطريقة؟ هؤلاء أهلنا، وليسوا أرقامًا في دفتر.

لم يكن قصد الأم أن تقلل من أهمية الميزانية، لكنها شعرت أن ابنتها تتعامل مع مناسبة انتظرتها الأسرة طويلًا بقدر زائد من الحساب.

تدخل كريم محاولًا تخفيف التوتر:

— سنجد حلًّا يرضي الجميع.

نظر إليه والد سلمى وقال:

— المهم ألا نضيّق على أنفسنا في يوم لن يتكرر.

كانت العبارة مألوفة، لكنها لم تكن مقنعة لسلمى. فاليوم الذي لن يتكرر يمكن أن يترك وراءه التزامات تتكرر كل شهر، وربما سنوات.

—

بعد انتهاء اللقاء، خرج كريم وسلمى في جولة قصيرة بالسيارة. لم يتحدثا في البداية. كان كل منهما يعيد ترتيب ما سمعه، ويحاول أن يفهم ما الذي ينتظره الآخرون منه.

قال كريم أخيرًا:

— أظن أن علينا أن نكون مرنين قليلًا. لا أريد أن يتحول حفل الزواج إلى سبب لخلاف بين العائلتين.

أجابته سلمى:

— وأنا لا أريد ذلك. لكن المرونة لا تعني أن نوافق على كل شيء، ثم نبحث عن المال لاحقًا.

قال:

— ربما يستطيع أبي تحمل جزء من التكلفة.

التفتت إليه.

— هل تحدث معك في ذلك؟

— لم نتفق على شيء، لكنه أشار إلى أنه مستعد للمساعدة.

سكتت قليلًا، ثم قالت:

— لا أريد أن نرفض مساعدة أهلك، لكنني لا أريد أن نبني قراراتنا على مبلغ لم نعرف قيمته ولا طبيعته. لقد تعلمنا ذلك في موضوع الشقة.

لم يعترض كريم. كان يدرك أن المسألة عادت إلى نقطة سبق أن ناقشاها، لكنه لم يكن يريد أن يجعل كل مناسبة اختبارًا جديدًا للعلاقة مع أسرته.

قال:

— إذا تحمل أبي تكلفة الحفل، فقد نستطيع الاحتفاظ بمدخراتنا لتجهيز البيت.

أجابته:

— هذا احتمال، لكن هل سنكون مستعدين لقبول أن يكون حجم الحفل وفق ما يراه مناسبًا؟

لم يجب.

لم يكن والده قد طلب شيئًا صراحة، لكن كريم يعرف أن من يدفع قد يشعر، ولو دون قصد، بأن له رأيًا أكبر في التفاصيل. وكان يعرف أن والده لن يتدخل بالضرورة، إلا أن احتمال الاختلاف ظل قائمًا.

قالت سلمى:

— أنا لا أريد أن أرفض كرم أحد، ولا أريد أن أضعك في مواجهة مع أسرتك. أريد فقط أن نتفق على ما نستطيع تحمله، ثم نقبل المساعدة إن كانت ستخفف عنا دون أن تغيّر القرار.

نظر كريم إلى الطريق أمامه.

للمرة الأولى، لم يشعر أن كلامها اعتراض على أسرته، بل محاولة لتحديد ما يريدانه قبل أن تتداخل رغبات الآخرين مع قدرتهما على الاختيار.

—

في اليوم التالي، جلس كريم مع والده في متجره. أخبره أن العائلتين بدأتا الحديث عن قاعة الحفل، وأنهما يفكران في إقامة مناسبة متوسطة لا تتجاوز إمكاناتهما.

استمع الأب، ثم قال:

— أنا لا أمانع أن يكون الحفل بسيطًا، لكنني لا أريد أن نُحرج أمام الأقارب. هناك أشخاص وقفوا إلى جانبنا في مناسبات كثيرة، ومن الطبيعي أن ندعوهم.

قال كريم:

— أفهم ذلك، لكن عدد المدعوين سيؤثر في التكلفة.

ابتسم الأب.

— لا تحمل هم المال. أنا أستطيع أن أساعدك.

شكره كريم، ثم سأله عن المبلغ الذي يمكن أن يساهم به.

أجاب الأب بأنه لم يحدد مبلغًا بعد، لكنه يستطيع تحمل تكلفة القاعة والطعام إذا اختاروا مكانًا مناسبًا.

شعر كريم بالارتياح، ثم تردد قبل أن يسأله:

— وهل تريد أن تختار القاعة بنفسك؟

ضحك الأب.

— لماذا تسألني ذلك؟ أنت العريس.

قال كريم:

— لأنني لا أريد أن أوافق على شيء ثم نختلف عليه لاحقًا. أريد أن نكون واضحين من البداية.

تغيرت ملامح الأب قليلًا، لكنه لم يغضب.

— اختر ما يناسبك، لكن لا تجعل الحرص على التوفير يسرق منك فرحتك. ليست كل الأمور تُقاس بما سندفعه.

أدرك كريم أن والده لا ينظر إلى الحفل باعتباره مصروفًا فقط، بل باعتباره إعلانًا اجتماعيًّا عن بداية حياة ابنه. وربما كان يخشى أن يبدو تقليص المناسبة وكأنه تقليل من قيمة الحدث أو من مكانة الأسرة.

قال كريم:

— لن ننسى فرحتنا يا أبي. لكنني أريد أن نبدأ دون أن نحمّل أنفسنا ما لا نحتاج إليه.

ربت والده على كتفه، وقال:

— افعل ما تراه مناسبًا، لكن تذكر أن الناس لا ينسون كيف عاملتهم في مناسباتهم.

لم يعلّق كريم. فقد كان يعرف أن وراء العبارة شبكة طويلة من المجاملات والالتزامات الاجتماعية، لا يمكن قطعها بقرار واحد.

—

في المساء، اجتمعت سلمى بأمها في المطبخ. كانت الأم تراجع قائمة المدعوين، وقد أضافت إليها أسماء جديدة.

سألتها سلمى عن العدد المتوقع، فأخبرتها أن القائمة تجاوزت المئة وخمسين شخصًا، وأنها لم تضف بعد بعض الأقارب من جهة والدها.

قالت سلمى:

— هذا العدد أكبر مما تصورنا.

أجابتها أمها:

— وهل تريدين أن ندعو بعض الناس ونترك الآخرين؟ ستبدأ المقارنات والعتاب، وقد يظن البعض أننا تعمدنا تجاهلهم.

وضعت سلمى الأكواب في الخزانة، ثم قالت:

— لا أريد أن أحرج أحدًا، لكنني لا أريد أن نختار حفلًا لا يناسبنا حتى نتجنب كلام الناس.

التفتت إليها أمها.

— أنتِ لا تفهمين أن المناسبات ليست لك وحدك. نحن أيضًا لنا أهل وأصدقاء، ومن حقنا أن نفرح بكِ كما نحب.

توقفت سلمى عن الحركة.

كانت تلك أول مرة تسمع فيها الأمر بهذه الصراحة. لقد ظنت أن الخلاف يدور حول عدد المدعوين وتكلفة القاعة، لكنها بدأت تدرك أن أمها ترى الحفل مناسبة تخص الأسرة كلها، وأنها لا تريد أن تشعر بأن دورها في ترتيب هذا اليوم أصبح هامشيًّا.

قالت سلمى:

— أعرف أن هذا اليوم يخصكم أيضًا، ولا أريد أن أحرمكم فرحتكم. لكنني أتمنى أن تسألوني عما أريده قبل أن تقرروا كيف سيكون اليوم.

أغلقت أمها الدفتر، وقالت:

— نحن نسألك، لكنك ترفضين كل اقتراح تقريبًا.

لم تجد سلمى ردًّا سريعًا. كانت تعرف أنها رفضت بعض المقترحات، لكنها لم تكن ترفض لمجرد الرفض. ومع ذلك، لم تكن تعرف كيف تشرح الفرق دون أن يبدو كلامها دفاعًا عن نفسها.

—

في نهاية الأسبوع، التقيا مرة أخرى لمراجعة الميزانية. أحضر كريم قائمة أولية بالمدعوين، وأحضرت سلمى تقديرًا لتكاليف تجهيز الشقة والحفل.

بدأا بالمقارنة بين قاعتين؛ إحداهما كبيرة وتستوعب العدد الذي اقترحته العائلتان، والأخرى أصغر وأقل تكلفة، لكنها تفرض تقليص قائمة المدعوين.

قال كريم:

— القاعة الكبيرة ستريح الجميع من مشكلة الاختيار بين الأقارب.

أجابته سلمى:

— لكنها ستستهلك جزءًا كبيرًا من المبلغ الذي نحتاج إليه للبيت.

قال:

— يمكننا تأجيل بعض التجهيزات.

— إلى متى؟

نظر إليها، ولم يجد إجابة محددة.

أخرجت سلمى ورقتها، وأشارت إلى المبلغ الذي سيبقى بعد دفع تكلفة الحفل. أوضحت له أن ما سيتبقى لن يكفي لشراء الأجهزة الأساسية وسداد المصاريف المتوقعة في الأشهر الأولى.

قال كريم:

— نستطيع أن نشتري بعض الأشياء بعد الزواج.

أجابته:

— نستطيع، لكن علينا أن نعرف ما الذي سنؤجله، وما الذي لن نستطيع الاستغناء عنه. لا أريد أن نعود بعد شهرين ونكتشف أننا نختلف لأن كل واحد منا كان يتصور بداية مختلفة.

ظل كريم يراجع الأرقام. كان يريد حفلًا يفرح به أهله، لكنه لم يكن يريد أن يبدأ زواجهما تحت ضغط مالي. وكان يريد أن يراعي رغبات سلمى، لكنه خشي أن تصبح كل تنازلاته أمام العائلتين دليلًا على أنه لا يستطيع اتخاذ قرار مستقل.

قال أخيرًا:

— لنختار القاعة الأصغر، ونحدد عددًا واضحًا. لكنني أريد أن نترك مساحة لعدد من الأقارب الذين لا أستطيع تجاهلهم.

وافقت سلمى، بشرط أن يراجع كل منهما قائمته، وأن يتفقا على العدد النهائي قبل الحجز.

كان الاتفاق هذه المرة أقرب إلى الحل. لم يكن أحدهما قد حصل على كل ما يريد، لكنهما لم يعودا يتعاملان مع الاختلاف باعتباره تهديدًا للعلاقة.

أمسك كريم الهاتف واتصل بوالده، وأخبره بالاختيار المبدئي.

استمع الأب، ثم قال إنه لا يعترض، لكنه كان قد تحدث بالفعل مع أحد معارفه بشأن قاعة أكبر، وإن الرجل وعده بسعر خاص إذا تم الحجز خلال اليوم.

لم يتحدث كريم للحظات.

نظر إلى سلمى، ثم قال لوالده إنه سيعود إليه بعد أن يراجع الأمر معها.

أنهى المكالمة، وأخبرها بما حدث.

لم تغضب سلمى، لكنها شعرت أن قرارهما لم يخرج بعد من دائرة الاحتمالات. كانت كلما اقتربا من حسم أمر، ظهر اقتراح جديد يحمل معه رغبة شخص آخر وتوقعاته.

قالت:

— هل تريد القاعة التي اختارها والدك؟

أجاب كريم:

— لا أعرف. ربما تكون مناسبة، وربما يكون السعر أفضل مما توقعنا.

— إذن لنراجعها، لكن دون أن نعد أحدًا بالحجز.

أومأ موافقًا.

وفي اليوم التالي، ذهبا لمعاينة القاعة. كانت واسعة وأنيقة، وتناسب عدد المدعوين الذي اقترحته العائلتان. أعجب كريم بتنظيمها، وأعجبت سلمى بالإضاءة والتصميم، لكنها حين سألت عن التكلفة النهائية اكتشفت أن السعر المعروض لا يشمل بعض الخدمات الأساسية.

أعاد كريم الحساب، ثم نظر إلى سلمى.

لم يحتج أي منهما إلى شرح طويل. كانت القاعة جميلة، لكنها ستعيدهما إلى المعضلة نفسها.

وقبل أن يغادرا، اتصل به والد كريم ليسأله إن كان قد أعجبتهما.

قال كريم:

— القاعة جيدة، لكن تكلفتها النهائية أعلى مما توقعنا.

أجابه والده:

— لا تقلق. قلت لك إنني سأتحمل جزءًا من التكلفة.

تردد كريم، ثم قال:

— أبي، نريد أن نختار وفق ميزانيتنا، حتى لو كانت القاعة أصغر.

ساد صمت قصير في الطرف الآخر، ثم قال الأب:

— كما تريد. أنا فقط لا أريد أن تشعر بعد ذلك أنك قصّرت في حق أسرتك.

انتهت المكالمة، وبقي كريم واقفًا أمام مدخل القاعة.

كان يعرف أن والده يحاول أن يمنحه ما يراه فرحة كاملة، لكنه أدرك أيضًا أن قبول كل ما يُعرض عليه قد يجعل اختياره أقل شبهًا به.

—

في طريق العودة، لم تتحدث سلمى كثيرًا. كانت تفكر في اليوم الذي سيقفان فيه أمام العائلتين، وفي قدرتها على التعبير عن رغبتها دون أن تجعل أحدًا يشعر بأنه مستبعد.

أما كريم، فكان يفكر في والده. لم يكن يريد أن يخيّب أمله، لكنه لم يعد يرى أن إرضاءه يعني الموافقة على كل ما يقترحه.

وحين وصلا إلى الشارع المؤدي إلى الشقة، أوقف كريم السيارة للحظات.

قال:

— أريد أن نتفق على شيء قبل أن نعلن أي تفاصيل.

نظرت إليه سلمى.

— ما هو؟

— أن يكون الحفل لنا، حتى لو شاركنا الجميع فرحته. لا أريد أن نقضي يومنا في تنفيذ توقعات الناس، ثم نعود إلى بيتنا ونكتشف أننا لم نكن حاضرين فيه.

ابتسمت سلمى، لكنها لم تجبه فورًا.

ثم قالت:

— وأنا أريد ذلك. لكن علينا أن نتذكر أن الآخرين يحبوننا بطريقتهم، حتى حين لا يعرفون كيف يتركون لنا مساحة كافية.

أعاد كريم تشغيل السيارة.

كانا قد اتفقا على القاعة الأصغر، وعلى عدد محدد من المدعوين، وعلى ألا يتجاوزا الميزانية. بدا الأمر محسومًا أخيرًا.

لكن في تلك الليلة، أرسلت والدة سلمى رسالة إلى كريم تخبره فيها أن أسرتها ترغب في دعوة بعض الأقارب الذين لم تُدرج أسماؤهم في القائمة، وأنها ترى أن استبعادهم قد يسبب حرجًا كبيرًا.

قرأ كريم الرسالة، ثم نظر إلى سلمى.

لم يكن العدد كبيرًا، ولم تكن التكلفة وحدها هي المشكلة. كان السؤال هو: هل يفتحان القائمة من جديد كلما ظهر شخص يشعر أحد أفراد العائلة بأنه لا يصح استبعاده؟

وضع الهاتف على الطاولة، وقال:

— يبدو أننا لم ننتهِ بعد.

أجابت سلمى:

— ربما لا تكون المشكلة في عدد المدعوين، بل في أننا لم نتفق بعد على من يملك حق اتخاذ القرار حين تختلف رغبات الجميع.

لم يرد كريم.

كان يعرف أن الحفل الذي يحاولان تنظيمه ليس مجرد ليلة تنتهي بانصراف الضيوف؛ إنه أول اختبار علني لقدرتهما على حماية اختياراتهما أمام العائلتين.

ولم يكن أي منهما يريد أن يبدأ حياته الجديدة بخسارة من يحب، لكنه بدأ يدرك أن المحبة وحدها لا تحدد دائمًا أين يجب أن تنتهي المجاملة، وأين ينبغي أن يبدأ القرار.