الحلقة الثامنة: المسافة التي لا تظهر في العقد
الكاتب : هاني الميهى
ما لم نتفق عليه
لم تكن الشقة بعيدة إلى الحد الذي يجعل الوصول إليها مستحيلًا، لكنها كانت قريبة بما يكفي لتبدو مناسبة في حسابات كريم، وبعيدة بما يكفي لتصبح عبئًا يوميًّا في حسابات سلمى.
وصل الاثنان إلى العقار قبل الموعد المحدد بدقائق. كان المبنى حديثًا، وواجهته نظيفة، والشارع أهدأ من الشوارع التي اعتادا البحث فيها. في الطابق الثالث، فتح لهما صاحب الشقة الباب، ثم تركهما يتجولان في الغرف بينما أخذ يشرح مزايا المكان.
كانت غرفة الجلوس واسعة، والمطبخ يسمح بترتيب الأجهزة دون ازدحام، والشرفة تطل على مساحة مفتوحة لا تحجبها المباني المجاورة. أعجبت سلمى بالإضاءة، وأعجب كريم بتقسيم الغرف. أما السعر، فكان أقل من الشقة السابقة بما يسمح لهما بالاحتفاظ بجزء من المبلغ للطوارئ.
قال كريم وهو ينظر إلى سلمى:
— أعتقد أننا وجدنا ما نبحث عنه.
لم تجبه فورًا. كانت تقف عند النافذة، تنظر إلى الطريق الممتد أسفل المبنى، وتحاول أن تتخيل صباحها هنا. كيف ستخرج إلى عملها؟ كم ستحتاج من الوقت حتى تصل؟ وماذا ستفعل إذا تأخر المواصلات أو اضطرت إلى البقاء ساعة إضافية؟
سأل صاحب الشقة عن أقرب موقف للمواصلات، فأشار إلى الشارع الرئيسي، موضحًا أن الوصول إليه يستغرق نحو عشر دقائق سيرًا على الأقدام، وأن المنطقة تتوافر فيها وسائل النقل طوال اليوم.
لم يكن في إجابته ما يدعو إلى القلق، لكن سلمى أرادت أن تعرف أكثر. سألت عن زمن الوصول إلى وسط المدينة في ساعات الذروة، وعن الطرق البديلة إذا حدث ازدحام.
ابتسم الرجل وقال:
— المسألة تختلف من يوم إلى آخر، لكن المنطقة هادئة، وستعتادان الطريق.
كانت العبارة مألوفة. كل مكان جديد يحتاج إلى اعتياد، وكل انتقال يفرض بعض التنازلات. غير أن سلمى لم تكن تريد أن تتحول كلمة «ستعتادين» إلى إجابة جاهزة عن كل ما سيصعب عليها لاحقًا.
بعد انتهاء المعاينة، جلس الثلاثة قليلًا لمراجعة تفاصيل العقد. أخرج كريم هاتفه، وبدأ يحسب الفرق بين قيمة الإيجار ومصاريف الانتقال. كان يرى أن الشقة تمنحهما فرصة لتخفيف الضغط المالي، خصوصًا بعد أن اتفقا على الاحتفاظ بمبلغ للطوارئ.
قال لصاحب الشقة إنهما سيحتاجان إلى يوم واحد قبل إعطائه الرد النهائي.
في الطريق إلى الخارج، أخبرته سلمى أنها تريد تجربة الطريق إلى عملها قبل اتخاذ القرار.
استغرب كريم.
— ولماذا؟ الشقة مناسبة، والطريق ليس بعيدًا إلى هذه الدرجة.
— أريد أن أعرف المسافة في الوقت الفعلي، لا على الخريطة.
قال مبتسمًا:
— نستطيع الذهاب معًا غدًا، وسأوصلك إلى عملك في الصباح.
لم تعترض، لكنها لم تعتبر اقتراحه إجابة عن السؤال. فقد كان يتحدث عن رحلة واحدة بالسيارة، بينما كانت تفكر في مئات الرحلات التي ستتكرر بعد الزواج، وفي الأيام التي لن يستطيع فيها توصيلها، وفي الساعات التي ستضيع من يومها دون أن تظهر في أي بند من بنود الميزانية.
في صباح اليوم التالي، انطلقا قبل موعد عملها بوقت كافٍ. كان كريم يقود السيارة، ويتحدث عن المميزات التي وجداها في الشقة. أشار إلى أن الطريق سيصبح أسهل حين يعتادانه، وأنهما لن يحتاجا إلى شراء أثاث إضافي في البداية، وأن ما سيوفرانه من الإيجار يمكن استخدامه في تجهيز البيت تدريجيًّا.
استمعت إليه سلمى، ثم نظرت إلى الساعة.
استغرق الوصول إلى الشارع الرئيسي وقتًا أطول مما توقعت، وبعد ذلك تعطلت الحركة عند أحد التقاطعات. وحين وصلا إلى مقر عملها، كان الوقت قد استهلك جزءًا كبيرًا من صباحهما.
قال كريم:
— اليوم مزدحم على غير العادة.
أجابته:
— وربما يحدث ذلك غدًا أيضًا.
لم تقلها بنبرة اعتراض، لكنها فتحت على هاتفها تطبيق الخرائط، وراجعت المسافة مرة أخرى. كان الوصول من الشقة إلى عملها يحتاج إلى وقت أطول مما اعتادت، كما أن طريق العودة في المساء يمر بمنطقة تشهد ازدحامًا متكررًا.
لاحظ كريم أنها لم تعد تتحدث عن الشقة بحماسة البداية.
قال:
— لا أريد أن نرفض مكانًا مناسبًا بسبب يوم واحد سيئ.
— وأنا لا أريد أن نقبله بسبب يوم واحد قدناه بالسيارة.
ابتسم كريم، لكنه لم يرد. كان يعرف أن لكل منهما وجهة نظر، إلا أنه بدأ يشعر بأن كل ميزة يعثران عليها تتحول إلى سؤال جديد.
في طريق عودته إلى عمله، أخذ يفكر في الأمر من زاويته الخاصة. كان موقع الشقة قريبًا من مقر عمله نسبيًّا، وكان يستطيع الوصول إليها بسهولة. كما أن المنطقة قريبة من منزل والديه، وهو ما قد يساعده إذا احتاج إلى شيء طارئ. لم يرَ في ذلك سببًا يجعل الشقة غير مناسبة؛ فالمواصلات متاحة، والمسافة يمكن تدبيرها.
لكنه لم ينتبه إلى أنه كان يقيس سهولة الحياة من موقعه هو.
في المساء، التقيا مرة أخرى لمراجعة الأرقام. أخرج كريم ورقة الحسابات، وبدأ يوضح أن الإيجار الأقل سيوفر مبلغًا يمكن أن يغطي جزءًا من مصاريف النقل، وأنه يستطيع توصيلها في بعض الأيام إذا سمحت ظروف العمل.
سألته سلمى:
— وفي الأيام التي لا تستطيع فيها؟
— ستذهبين بالمواصلات.
— وإذا تأخرت في العمل؟
— يمكنك استخدام سيارة أجرة عند الضرورة.
— وإذا اضطررت إلى ذلك أكثر من مرة في الأسبوع؟
توقف كريم عن الكتابة.
لم تكن الأسئلة صعبة من الناحية الحسابية، لكنها كشفت شيئًا لم يضعه في تقديره. كان قد حسب تكلفة السكن، ولم يحسب تكلفة الوصول إليه. حسب ما سيدفعانه لصاحب الشقة، ولم يحسب الوقت الذي ستدفعه سلمى من يومها، ولا أثر ذلك في راحتها وعملها وقدرتها على ممارسة حياتها بصورة طبيعية.
قال بعد لحظة:
— يمكننا أن نضيف مصاريف الانتقال إلى الميزانية.
أجابته:
— الأمر ليس مالًا فقط يا كريم. قد أستطيع دفع تكلفة الطريق، لكنني لا أستطيع شراء ساعة إضافية من يومي.
رفع عينيه إليها.
لم تكن سلمى تطلب شقة قريبة من عملها بأي ثمن، ولم تكن تتجاهل ظروفه. كانت تعرف أن اختيار مكان السكن لا يمكن أن يحقق كل رغباتهما، وأن عليهما أن يوازنا بين السعر والمساحة والموقع. لكنها أرادت أن يكون التنازل واضحًا ومشتركًا، لا أن يتحول بمرور الوقت إلى مسؤولية يومية تقع عليها وحدها.
قال كريم:
— وماذا تقترحين؟ أن نختار شقة أغلى ونضغط على أنفسنا ماليًّا؟
— لا. أقترح أن نقارن الخيارات كاملة. ليس من العدل أن نختار المكان الأرخص، ثم نكتشف أن ثمنه الحقيقي هو وقت أحدنا وحده.
أعاد كريم النظر إلى الورقة. كان قد كتب الإيجار، والتأمين، ومصاريف الكهرباء والغاز، والأثاث الضروري. لم يجد خانة تتسع للوقت المفقود، أو الإرهاق المتكرر، أو الأيام التي ستعود فيها سلمى متأخرة بينما يكون هو قد وصل منذ ساعات.
أغلق الورقة وقال:
— لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة.
لم تستغل سلمى اعترافه لتثبت أنها كانت على حق. فقد أدركت أن المشكلة لم تكن في سوء نيته، بل في أن كل إنسان يرى التكاليف من المكان الذي يقف فيه. وربما كان من السهل عليه أن يطلب منها التكيف مع الطريق لأنه لن يقطعه كل صباح.
في اليوم التالي، اقترحت أن يضعا ثلاثة مواقع محتملة على الخريطة، ثم يقارنا المسافة بين كل منها وبين عمليهما، لا أن يبحثا عن شقة تعجبهما أولًا ثم يحاولا إقناع نفسيهما بأنها مناسبة.
وافق كريم، وبدأ الاثنان مراجعة المناطق التي يمكن أن تجمع بينهما بصورة أكثر توازنًا. لم يكن الاختيار سهلًا؛ فالمناطق الأقرب إلى عمل سلمى أغلى، والمناطق الأقرب إلى عمل كريم لا توفر دائمًا المساحة التي يحتاجان إليها، وبعض الخيارات تقع في أماكن لم يعتاداها.
ومع ذلك، كان النقاش هذه المرة مختلفًا. لم يعد كل واحد منهما يدافع عن اقتراحه باعتباره الحل الأفضل، بل بدأ يسأل عن الأثر الذي سيتركه القرار في حياة الآخر.
لكن صاحب الشقة لم يمنحهما وقتًا طويلًا. اتصل بكريم في نهاية اليوم، وأخبره أن هناك شخصًا آخر يرغب في استئجارها، وأنه يحتاج إلى إجابة نهائية قبل المساء.
نظر كريم إلى سلمى، ثم قال في الهاتف إنه سيعود إليه خلال ساعة.
كان يعلم أن رفض الشقة يعني العودة إلى البحث، وربما ضياع فرصة مالية مناسبة. وكان يعلم أيضًا أن قبولها سيضعهما أمام مشكلة لم يحلاها بعد.
بعد انتهاء المكالمة، قالت سلمى:
— إذا كانت الشقة مناسبة لك، فلا أريد أن أكون سببًا في رفضها لمجرد أن الطريق لا يعجبني.
نظر إليها كريم باستغراب.
أكملت:
— لكنني لا أريد أيضًا أن أوافق عليها ثم أظل أشتكي كل يوم. لا أريد أن نبدأ حياتنا ونحن نحمّل بعضنا ثمن قرار لم ندرسه جيدًا.
قال كريم:
— وأنا لا أريد أن أشعر أنك تتنازلين عن راحتك من أجلي.
ابتسمت بهدوء:
— إذن لا تطلب مني أن أتنازل عنها دون أن نعرف ماذا يعني ذلك.
لم يرد. أمسك هاتفه، ثم فتح الخريطة مرة أخرى. بحث عن المسافة بين الشقة ومقر عمل سلمى، ثم عن المسافة إلى عمله. بعد ذلك كتب عنوان منطقة أخرى كان قد استبعدها سابقًا بسبب ارتفاع الإيجارات.
كانت المنطقة أبعد قليلًا عن مقر عمله، لكنها أقرب إلى عمل سلمى، كما تتوافر فيها وسائل مواصلات أكثر. لم تكن حلًّا مثاليًّا، لكنها بدت أكثر توازنًا.
قال:
— لنذهب إلى هناك غدًا. نرى المكان، ونحسب كل شيء قبل أن نقرر.
وافقت سلمى، وشعرت أن شيئًا بسيطًا قد تغير. لم يكن الأمر أن كريم وافق على اقتراحها، بل أنه بدأ ينظر إلى القرار من زاوية لا تخصه وحده.
وقبل أن يغادرا، وصلته رسالة من والده يسأله فيها إن كان قد استقر على الشقة، ويخبره أن بإمكانه المساعدة في بعض المصاريف إذا احتاج.
قرأ كريم الرسالة، ثم وضع الهاتف أمام سلمى.
قال:
— سأجيبه بأننا ما زلنا نبحث.
لم تطلب منه شيئًا، ولم تعلق على الرسالة. لكنها شعرت أن بعض المسافات لا تُقاس بالكيلومترات، وأن الطريق إلى البيت قد يبدأ أحيانًا من القدرة على رؤية حياة الآخر كما يراها هو.
وفي صباح اليوم التالي، بينما كانا يستعدان للذهاب إلى المنطقة الجديدة، تلقى كريم اتصالًا من صاحب الشقة الأولى. أخبره أن المستأجر الآخر تراجع عن الاتفاق مرة ثانية، وأنه يستطيع الاحتفاظ بالشقة لهما إذا دفعا مقدم الإيجار في اليوم نفسه.
ظل كريم ممسكًا بالهاتف دون أن يجيب.
كانت الشقة التي رفضاها بالأمس قد عادت إلى حياتهما، ومعها عاد الإغراء القديم: سعر مناسب، ومكان جاهز، وقرار يمكن حسمه بسرعة.
نظر إلى سلمى، ثم سأل نفسه للمرة الأولى: هل يختار البيت الذي يستطيع الوصول إليه بسهولة، أم البيت الذي يستطيع كلاهما أن يعيش فيه دون أن يشعر أحدهما بأنه ضيف في حياة الآخر؟
لم تكن الإجابة على الخريطة، ولم يكن العقد قادرًا على كتابتها.






المزيد
تعرفوا ايه هى الحياة بقلم د. عبير عبد المجيد الخبيري
لا تَعُدَّ الأيام، ولكن اجعل الأيام تستحق العدّ. بقلم عبد الرحمن غريب
ما أجمل أن يطمئن قلبك بقلم خيرة عبدالكريم