الحلقة السابعة: موعد لا يشبهنا
الكاتب : هاني الميهى
ما لم نتفق عليه
لم تكن المشكلة في تحديد موعد الزواج، بل في الطريقة التي وصل بها الموعد إليهما.
حين قرأت سلمى رسالة أسرتها، شعرت بأن شيئًا من حياتها يُرتَّب في غيابها. لم يكن أهلها يريدون إيذاءها، ولم يكن اقتراحهم بعيدًا عن المنطق؛ فالخطوبة طالت، والأسعار تتغير، والشقة لم تُحسم بعد، وكلما سألهم أحد عن موعد الزفاف وجدوا أنفسهم يقدمون إجابات مؤقتة لا تنهي الأسئلة.
كانت أمها ترى أن تحديد الموعد سيمنح الجميع شعورًا بالاستقرار، وأن التفاصيل المتبقية يمكن تدبيرها لاحقًا. أما سلمى، فكانت تعرف أن الموعد حين يُعلَن لن يبقى مجرد تاريخ في التقويم؛ سيصبح وعدًا أمام العائلتين، وستُبنى عليه التزامات مالية واجتماعية يصعب التراجع عنها.
وضعت الهاتف على الطاولة، ثم عادت إلى الرسالة. كان آخر سطر فيها يقول: «نريد أن نطمئن عليكِ، ولا نريد أن تبقى حياتك معلقة».
لم تستطع أن تغضب من العبارة. فقد كانت تعرف مقدار ما تحمله أمها من قلق، وتفهم أن الانتظار الطويل يرهق الأسرة كلها. لكنها لم تستطع أيضًا أن تعتبر القلق وحده سببًا كافيًا لاتخاذ قرار لم تنضج ظروفه بعد.
في المساء، التقت كريم في المقهى الصغير الذي اعتادا الجلوس فيه بعد العمل. وصل قبلها بدقائق، ووضع هاتفه على الطاولة، ثم أخبرها أن والده تحدث معه بشأن موعد الزواج.
قالت سلمى:
— يبدو أن الجميع اتفقوا على أننا تأخرنا.
ابتسم كريم ابتسامة متعبة.
— ربما لأننا فعلًا تأخرنا.
لم تجادله. كان في كلامه جانب صحيح؛ فقد أمضيا أسابيع في مناقشة تفاصيل تتغير كلما اقتربا من حسمها، وأحيانًا كان الخوف من اتخاذ قرار غير مناسب يدفعهما إلى تأجيل القرار نفسه. لم تكن كل العقبات من صنع العائلتين، ولم يكن كل تأخير دليلًا على الضغط الخارجي.
أخرج كريم هاتفه، وأراها رسالة والده التي تقترح تحديد موعد قبل نهاية الأسبوع.
قال:
— فكرت في الأمر. إذا حددنا موعدًا بعد ثلاثة أشهر، فربما نستطيع ترتيب بقية الأمور خلال هذه الفترة.
سألته سلمى:
— هل تعتقد أننا نستطيع فعل ذلك فعلًا؟
تردد.
— لا أعرف. لكن لا يمكننا الانتظار حتى تصبح كل الأمور مثالية.
أعجبها أنه لم يدّعِ امتلاك إجابة مؤكدة. كانت تعرف أن الحياة لا تمنح أحدًا ضمانات كاملة، وأن انتظار زوال القلق قد يعني ألا يبدأ شيء أبدًا. لكنها أرادت أن تميّز بين المخاطرة المحسوبة والاندفاع تحت ضغط الآخرين.
قالت:
— أنا لا أطلب أن تصبح كل الأمور مثالية. أريد أن نعرف ما الذي نستطيع الالتزام به، وما الذي سنضطر إلى التنازل عنه إذا ضاق الوقت أو المال.
نظر كريم إلى قائمة المصروفات التي أعدّها على هاتفه. كان قد حسب تكاليف الإيجار، والأثاث الضروري، والأجهزة، ومصاريف حفل بسيط. لكنه لم يضع في حساباته ما قد يحدث إذا تأخر أحدهما في العمل، أو ظهرت نفقات لم يتوقعاها، أو اضطرّا إلى تأجيل بعض الاحتياجات بعد الزواج.
قال:
— إذا انتظرنا حتى نضمن كل شيء، فلن نبدأ أبدًا.
أجابته:
— وإذا بدأنا من دون أن نعرف حدود قدرتنا، فقد نقضي أول سنة نحاول إصلاح قرارات اتخذناها لإرضاء الآخرين.
لم يكن أي منهما يريد أن ينتصر في النقاش. ومع ذلك، بدأ كل واحد منهما يشعر بأن الآخر يقترب من نقطة لا يستطيع تجاوزها بسهولة.
بالنسبة إلى كريم، كان تحديد الموعد محاولة للخروج من دائرة التأجيل، وإثباتًا لنفسه أنه قادر على اتخاذ خطوة حقيقية. فقد بدأ يشعر بأن كثرة النقاشات جعلته يشك في كل قرار، حتى تلك التي كان يستطيع حسمها ببساطة.
أما سلمى، فكانت تخشى أن يتحول الموعد إلى التزام يفرض عليهما إخفاء المشكلات بدلًا من حلها. لم تكن تريد أن تدخل زواجها وهي مطالبة بإظهار السعادة أمام الجميع، بينما تحمل في داخلها أسئلة لم تجد وقتًا لطرحها.
قالت بعد لحظة:
— ما رأيك أن نحدد موعدًا مبدئيًا، ونضع أمامه قائمة واضحة بما يجب إنجازه؟ إذا وجدنا أننا نستطيع الوفاء بها، نثبّت الموعد. وإذا لم نستطع، نغيّر الخطة قبل أن نعلنها.
فكر كريم في الاقتراح. بدا له عمليًا، لكنه خشي أن يتحول الموعد المبدئي إلى تأجيل جديد، وأن يجد نفسه بعد أسابيع أمام القائمة نفسها وأسئلة أكثر.
قال:
— أخشى أن نمنح أنفسنا مهلة أخرى، ثم نكتشف أننا لم نتقدم.
— وأنا أخشى أن نعلن موعدًا ثم نقضي الأيام التالية في محاولة إقناع أنفسنا بأننا نستطيع الالتزام به.
صمتا قليلًا. مرّ النادل إلى جوارهما ووضع كوبين من الشاي على الطاولة، ثم ابتعد. كانت أصوات الجالسين حولهما تتداخل مع ضجيج الطريق، بينما ظل الموعد الذي لم يُحدَّد حاضرًا بينهما كأنه شيء مادي يحتل مكانًا ثالثًا على الطاولة.
أخرج كريم ورقة صغيرة، وكتب عليها ثلاثة أشهر، ثم رسم تحتها خطوطًا متتابعة.
قال:
— لنجرّب. خلال الأسبوع الأول نحسم الشقة. بعد ذلك نحدد الأثاث الضروري، ونراجع ميزانيتنا. إذا كانت الأرقام ممكنة، نعلن الموعد.
أخذت سلمى الورقة، وقرأت ما كتبه. لم يكن الجدول كاملًا، لكنه كان بداية يمكن البناء عليها. أضافت بندًا يتعلق بالمبلغ الذي يحتاجان إلى الاحتفاظ به للطوارئ، ثم أعادت الورقة إليه.
قالت:
— بشرط ألا نعتبر كل ما نكتبه وعدًا لا يجوز تغييره. إذا ظهرت مشكلة حقيقية، نراجع الخطة معًا.
أومأ كريم موافقًا.
للمرة الأولى منذ أيام، شعر الاثنان بأنهما لا يكتفيان بتبادل المخاوف، بل يحاولان تحويلها إلى خطوات قابلة للتنفيذ. لم يختفِ القلق، لكنه صار أقل غموضًا.
غير أن الاتفاق ظل بينهما فقط.
حين عادت سلمى إلى منزلها، كانت أمها تنتظرها في غرفة الجلوس. سألتها إن كان كريم قد تحدث معها بشأن الموعد، فأخبرتها أنهما وضعا خطة لتحديده خلال الأيام المقبلة.
لم تبدُ أمها راضية تمامًا.
قالت:
— نحن لا نطلب منك أن تتزوجي غدًا، لكن الناس بدأت تسأل، وكلما طال الانتظار صار من الصعب تفسيره. هناك أمور لا تحتاج إلى كل هذا التفكير.
جلست سلمى إلى جوارها.
— أعرف أنك تريدين الاطمئنان عليّ، لكنني لا أريد أن أحدد موعدًا لمجرد أن أجيب عن أسئلة الناس.
نظرت إليها أمها طويلًا، ثم قالت:
— وهل تظنين أننا نهتم بكلام الناس أكثر من اهتمامنا بكِ؟
شعرت سلمى بوخزة ندم. لم تكن تقصد ذلك، لكنها أدركت أن عبارتها حملت اتهامًا لم يكن عادلًا. فأسرتها لم تكن تتحرك بدافع المظاهر وحدها؛ كانوا يريدون أن يروا ابنتهم تستقر، وكانوا يخشون أن تكون كثرة الخلافات علامة على شيء أكبر مما تعترف به.
أمسكت يد أمها وقالت:
— لا أظن ذلك. لكنني أحتاج إلى أن أشعر أنني أشارك في ترتيب حياتي، لا أنني أحاول فقط الوصول إلى موعد يطمئن الجميع.
لم تجب أمها. سحبت يدها برفق، ثم نهضت لتعدّ الشاي.
لم يكن انسحابها غضبًا واضحًا، لكنه ترك في نفس سلمى شعورًا بالذنب. فقد اكتشفت أن قول الحقيقة لا يمنع الكلمات من أن تجرح، حتى حين لا يقصد صاحبها ذلك.
وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان كريم يجلس مع والده، الذي سأله إن كانا قد حددا الموعد. أخبره بالخطة التي اتفقا عليها، فاستمع الأب ثم قال:
— لا تجعل كثرة الحسابات تنسيك أن الزواج حياة، وليس مشروعًا لا بد أن تنتهي دراسته قبل أن يبدأ.
لم يعترض كريم. كان يعرف أن والده يتحدث من خبرته، وأنه يريد له الاستقرار لا التهور. لكنه أراد أن يقول إن الحسابات ليست بديلًا عن الحياة، بل محاولة لحمايتها من أعباء يمكن تجنبها.
قال:
— أحاول أن أجد الطريق بين الأمرين.
ربت والده على كتفه، وقال:
— المهم ألا تترك الخوف يقودك.
ظل كريم يفكر في العبارة بعد أن غادر. لم يكن يعرف إن كان خوفه من الفشل هو ما يؤخره، أم أن خوفه من إغضاب الآخرين هو ما يدفعه أحيانًا إلى التقدم قبل أن يكون مستعدًا.
وفي صباح اليوم التالي، تلقى رسالة من صاحب الشقة التي زاراها سابقًا. أخبره أن المستأجر الآخر تراجع عن الاتفاق، وأن الشقة ما زالت متاحة، لكنه يحتاج إلى رد نهائي خلال يومين.
قرأ كريم الرسالة، ثم اتصل بسلمى. لم تكن الفرصة مجرد شقة مناسبة؛ كانت اختبارًا مباشرًا للخطة التي وضعاها في الليلة السابقة.
قال لها:
— لدينا يومان لنقرر. إذا أردناها، علينا أن نراجع الأرقام اليوم.
وافقت على اللقاء بعد انتهاء عملها.
لكن قبل أن يذهبا إلى الشقة، وصل إلى سلمى اتصال من أمها. أخبرتها أن أسرة كريم تواصلت معهم، وأن هناك اقتراحًا بتحديد موعد الخطوبة الرسمية للإعلان عن موعد الزواج بعد ذلك بأيام.
لم يكن الاقتراح سيئًا في ذاته، لكن سلمى أدركت أن العائلتين بدأتا تتحركان نحو إعلان لم يتفقا على تفاصيله بعد.
أنهت المكالمة، ثم نظرت إلى الرسالة التي أرسلها كريم بشأن الشقة.
كان أمامهما الآن قراران متداخلان: هل يختاران المكان الذي سيبدآن فيه حياتهما، وهل يسمحان للآخرين بتحديد توقيت تلك الحياة قبل أن يطمئنا إلى قدرتهما على بنائها؟
وفي المساء، حين جلسا لمراجعة الميزانية، اكتشفا أن المبلغ الذي يحتاجانه لتأمين الشقة سيتركهما باحتياطي أقل مما اتفقا عليه.
لم يكن العجز كبيرًا، لكنه كان كافيًا لإعادة السؤال من بدايته.
نظر كريم إلى الأرقام، ثم قال:
— نستطيع تدبير الفرق إذا أجّلنا شراء بعض الأشياء.
لم تجبه سلمى فورًا. كانت تعرف أن هذا ممكن، لكنها تذكرت أن كل تأجيل سابق بدأ بعبارة مشابهة، ثم انتهى بالتزام جديد لم يحسبا أثره كاملًا.
رفعت عينيها إليه وسألته:
— إذا اضطررنا إلى الاختيار بين الموعد الذي ينتظره الجميع، والوقت الذي نحتاج إليه لنبدأ بصورة صحيحة، فأيّهما سنختار؟
لم يكن السؤال عن ثلاثة أشهر، ولا عن شقة، ولا عن حفل زفاف.
كان السؤال عمّا إذا كانا قادرين على تحمّل خيبة أمل الآخرين، حين يصبح إرضاؤهم على حساب ما اتفقا عليه معًا.
وللمرة الأولى، لم يسارع كريم إلى الإجابة.






المزيد
لا تَعُدَّ الأيام، ولكن اجعل الأيام تستحق العدّ. بقلم عبد الرحمن غريب
ما أجمل أن يطمئن قلبك بقلم خيرة عبدالكريم
ورقة العشق بقلم حسام علي