اعتذارٌ لا يعرف طريقه
بقلم : الكاتبة هبه أحمد
أحيانًا، أتمنّى لو أنّني أستطيع العودة إلى لحظةٍ واحدة، إلى كلمةٍ قلتُها دون أن أفكّر، أو شعورٍ كشفته في وقتٍ كان الصمت فيه أرحم؛ لأضع يدي على فمي، وأهمس لنفسي: ليس كلّ ما نشعر به ينبغي أن يُقال، وليس كلّ ما في القلب يجد في هذا العالم متّسعًا له.
كم مرّةً انتهيتُ من حديثٍ، ثم عدتُ إلى نفسي أُعيده حرفًا حرفًا، أتساءل في خجل: لِمَ قلتُ ذلك؟ أكان من الضروري أن أكشف هذا الجزء منّي؟ أكان عليّ أن أبدو على حقيقتي إلى هذا الحدّ، أم كان الأجدر بي أن أُخفي ما أشعر به، وأترك للآخرين نسخةً أقلّ صدقًا، وأكثر ملاءمةً لهذا الزمان؟
أشعر أحيانًا أنّني وُلدتُ بطبيعةٍ لا تعرف كيف تنجو في عالمٍ كهذا؛ عالمٍ يتقن فيه البعض ارتداء الوجوه، بينما أُرهق أنا من مجرّد محاولة إخفاء وجهي الحقيقي. أُفكّر كثيرًا، وأشعر أكثر ممّا ينبغي، ثم أعود فألوم قلبي لأنّه لم يتعلّم بعدُ كيف يكون أقلّ اكتراثًا، وألوم نفسي لأنّها ما زالت تمنح الكلمات وزنًا، والمواقف ذاكرةً، والبشر مكانةً قد لا يعرفونها أصلًا.
ولعلّ أكثر ما يُتعبني أنّني لا أملك دائمًا ما أهرب إليه منّي. أملأ هاتفي بالكلمات، وأترك للقصص أن تتوالى، كأنّني أُشعل نوافذ صغيرةً في عتمة غرفتي، لعلّ الضوء يُقنعني بأنّني لست وحدي. أكتب، وأنشر، وأُحدّث العالم عن أشياء متفرّقة، بينما هناك في داخلي حديثٌ واحدٌ لا أعرف كيف أبدأه، وفراغٌ لا تملؤه كثرة الكلام، ووحشةٌ لا يُبدّدها ازدحام الشاشات.
أنا التي أحبّ عزلتي، ثم أخاف أحيانًا من طولها. أبحث عن الهدوء، فإذا وجدته أصغيتُ إلى رأسي حتى أتعبني صوته، وأهرب إلى الناس، فإذا اقتربتُ منهم خشيتُ أن أكون ثقيلةً على قلوبهم، أو أن أقول ما يجعلني أقلّ قبولًا في أعينهم. وكأنّني عالقةٌ بين بابين؛ لا أعرف كيف أبقى وحدي دون أن يؤلمني الصمت، ولا كيف أقترب دون أن أخشى الندم.
وأحيانًا، لا أريد من الحياة شيئًا عظيمًا؛ أريد فقط ألّا أضطرّ إلى مراجعة نفسي بعد كلّ حديث، وألّا أفتّش في وجوه الآخرين عن دليلٍ على أنّني أخطأت، وألّا أعود إلى فراشي محمّلةً بكلّ ما تمنّيتُ لو أنّني لم أقله.
أريد أن أعتذر لنفسي؛ عن كلّ مرّةٍ جعلتُها فيها متّهمةً، وجلستُ في مقعد القاضي أُحصي زلّاتها. أعتذر لها لأنّني عاملتُ عفويّتها كأنّها عيب، وحساسيّتها كأنّها ضعف، واحتياجها إلى الأُنس كأنّه عبءٌ ينبغي أن تخجل منه.
وأريد أن أعتذر لبعض الذين ربما جرحتهم كلمةٌ منّي، أو خذلهم تصرّفٌ لم أحسن تقديره؛ لا لأنّني أرى نفسي سيّئة، بل لأنّني أعرف أنّ النوايا الطيّبة لا تمنعنا دائمًا من الخطأ، وأنّ الاعتذار شجاعةٌ حين يكون في موضعه، لا حكمٌ بالإدانة على حياتنا كلّها.
لكن، مَن يعتذر لي عن كلّ هذا الخوف الذي جعلني أُراجع أبسط تفاصيلّي؟ مَن يُخبرني أنّه لا بأس أن أكون عفويّةً أحيانًا، وأن أُخطئ ثم أُصلح، وأن أقول ما أشعر به دون أن أظلّ طوال الليل أُحاكم نفسي؟ مَن يُقنعني بأنّني لستُ ثقيلةً لمجرّد أنّني أحتاج إلى أن يسمعني أحد، ولستُ غير مقبولة لمجرّد أنّني لم أُحسن التصرّف في لحظةٍ ما؟
ربّما لم أكن سيّئةً كما أظنّ، وربّما كنتُ فقط مُتعبةً إلى حدّ جعلني أرى نفسي بعين الندم، لا بعين الرحمة. وربّما لم يكن ذنبي أنّني أختلف عن هذا العالم، بل أنّني ظللتُ طويلًا أحاول أن أُثبت لنفسي أنّ الاختلاف تهمةٌ تستحقّ الاعتذار.
لا أعرف إن كنتُ سأتعلم يومًا كيف أكون أخفّ على نفسي، وكيف أترك بعض الكلمات تمضي دون أن أستدعيها إلى محكمة ذاكرتي كلّ ليلة. لكنّني أعرف أنّني تعبتُ من الوقوف في قفص الاتّهام، ومن انتظار حكمٍ بالقبول لا يملكه أحدٌ سواي.
لذلك، إن كان لي أن أبدأ من مكانٍ ما، فسأبدأ من هنا؛ من هذه المسافة الصغيرة بين خطئي وذاتي، بين ما فعلتُه وما أستحقّه، بين إنسانةٍ لا تعرف دائمًا كيف تتصرّف، وإنسانةٍ لا ينبغي أن تُحرم الرحمة لأنّها لم تُحسن كلّ شيء.
فأنا لا أريد أن أكون إنسانةً لا تُخطئ؛ أريد فقط أن أتوقّف عن معاقبة نفسي كلّما تذكّرتُ أنّني إنسانة.






المزيد
من أرض الإيمان بقلم : فاطمة هلال
ألحان قلمي بقلم : أسماء علي محسن
“ما لم نتفق عليه” الحلقة الأولى: الوظيفة التي لم يفرح بها بقلم الكاتب: هاني الميهى