مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من المتهم: المتسوّل… أم المجتمع؟

بقلم: يحيى القطب 

ماذا لو كان المجرم… ضحيةً أيضًا؟

وماذا لو أن القفص الذي نحاكمه فيه… صنعناه نحن؟

حين ننظر إلى الجرائم بعينٍ سريعة، تبدو الأمور واضحة: مجرمٌ يستحق العقاب، وضحيةٌ تستحق الإنصاف.

لكن ماذا لو كانت الصورة أعمق من ذلك؟

ماذا لو كان خلف كل جريمة… سلسلة طويلة من الأسباب التي صنعتها؟

جلس القاضي على مكتبه، يُطالع ملفات القضايا التي ستُعقد جلستها.

ملف القضية الأولى… ويتصدّر الصفحة عنوانٌ ثقيل:

قضية العفاريت

المدّعية: بلية

المدّعى عليها: محروسة، الشهيرة بـ”الكاتعة”

يقلب الأوراق… ويبدأ قراءة التحقيقات:

بلية:

“هي ما كانتش بتربّينا يا بيه… دي كانت زي أمّنا الغولة… تشغّلنا… وتاكل عرقنا…

ولو رجعنا بإيد فاضية… ما كناش بنسلم منها.”

الكاتعة:

“أنا مليش دعوة يا بيه… شمندي هو اللي خطفها… أنا كنت ستر وغطى عليه.”

بلية:

“لا يا سعادة الباشا! هي اللي كانت بتضربنا… وتعذّبنا… عشان ننشل… ونوزّع المخدرات!

ولما واحد فينا مات من شِمّة تاوته… رموه كأنه ولا حاجة!”

الكاتعة:

“أبدًا يا بيه… أنا لقيتهم في الشارع مالهمش أهل يسألوا عليهم… وشغّلتهم وبس.

المخدرات دي بتاعة شمندي… وأنا ما كنتش بعذّبهم… كنت بهدّدهم بس عشان يسمعوا الكلام.

أومال العيال دي كلها… كنت أعمل بيهم إيه؟ أوديهم فين؟!”

يمدّ القاضي يده إلى الملف الثاني…

يتوقف لحظة عند العنوان، كأنه يقرأه بتمعّن:

قضية المتسوّل

المدّعي: حسنين

المدّعى عليهم: المعلم هاموش… والدكتور

يقلب الصفحة… وتبدأ التحقيقات:

المعلم هاموش:

“بيتّهمنا يا سعادة الباشا! الحق علينا اللي علّمناه شغلة وصنعة محترمة… بعد ما كان صايع في الشارع!”

حسنين:

“دي صنعة محترمة دي؟! ده الحرامية أحسن منّا!

على الأقل الحرامي بيسرق عيني عينك… ومعروف إنه حرامي…

لكن إحنا بنسرق الناس باسم الله! بنقول لله… عشان نطلّع اللي في جيوب الخلق!

والله بريء مني ومنكم يا حوش… وياريتني كنت باخد حقي وسطكم!

أنا كنت أجيب لكم ٢٨ جنيه… تدّوني جنيهين!”

الدكتور:

“إنت فاكر نفسك شحات صايع؟ إنت مركز… إنت بتتكلّف كتير أوي.”

المعلم هاموش:

“أيوه… عندك مصاريف الدكتور اللي بيعمل الشحاتين…

وعندك مصاريف مدير إدارة الشحاتين…

وعندك مصاريف الفتوات اللي بيحموا وقفتك في الشارع…

وعندك مصاريف شخصية… وخلافه.”

يميل القاضي قليلًا إلى الأمام… ويفتح الملف الثالث ببطء، كأنه يدرك أن ما بداخله أثقل من سابقيه:

قضية: جعلوني مجرمًا

المتهم: سلطان

تمرّ عيناه على سطرٍ بارز:

“الجريمة وقعت… بعد ثبوت البراءة.”

يتوقف… ثم يتابع التحقيقات:

المحقق:

“بأي منطق تقتل عمّك… بعد ما ظهرت براءتك؟ العدالة أنصفتك!”

سلطان:

“أنا قتلته… لأنه هو اللي عملني مجرمًا.

العدالة ظهرت… بس متأخر أوي.

أنا مش عاوز عدالتكم… ولا براءتكم.

أنا خلاص بقيت المجرم اللي صنعتوه… واتعلّمت أقتل… وأدوس على الزناد.”

يمدّ القاضي يده إلى الملف الرابع…

تتغير ملامحه قليلًا، وكأن ما سيقرأه هذه المرة ليس جريمة عادية:

قضية “تيتو”

المدّعي: تيتو

المدّعى عليه: رفعت السكري

تمرّ عيناه على جملة في صدر التحقيق:

“المتهم حاول أن يتوقّف… فأُعيد دفعه.”

تيتو:

“الجوع… هو اللي رماني في الشارع أول مرة… هو اللي عمل مني مجرمًا.

ولما حاولت أنضف… طلع لي رفعت باشا السكري.

يمكن غلطت إني سمعت كلام صبحي… واتجريت معاه…

لكن أنا حاولت أبطل… بعدت… وكنت عاوز أنضف.

وفي الآخر… ما عملتش اللي طلبه… ما قدرتش… وما قتلتش الظابط!”

رفعت السكري:

“أنا اللي عملت منه بني آدم.

هي لولا الفلوس اللي كان بياخدها… كان هينضف؟ ولا يفكر أصلًا؟

وأنا يعني عملت إيه؟

إحنا كنا بنخلّص على المجرمين… وناخد فلوسهم… نعمل بيها مشاريع تفيد البلد.”

يتوقف القاضي لحظة… ثم يفتح الملف الأخير، وقد بدا عليه ثقلٌ مختلف:

قضية “الجراج”

المتهمة: نعيمة عطية

تستقر عيناه على السطر الأول:

“بيع الأبناء… تحت وطأة الفقر والمرض.”

المحقق:

“كيف تبيعين أبناءك؟ مهما كانت الأسباب… كيف؟!”

نعيمة عطية:

“كنت أعمل إيه… بعد ما عرفت من الدكتور إني مش هعيش لهم؟

أعمل إيه بعد ما أبوهم رماهم لي… زينهم طفش… وسابني لوحدي بيهم في وش الدنيا؟

أنا كان نفسي أشوف دنيا في بيت جوزها… وأشوف تامر ظابط… وحسن دكتور… ويحيى مهندس… والصغيرين يكبروا…

لكن كنت أعمل إيه؟… وكل البيبان اتقفلت في وشي.

أنا اديتهم لناس مقتدرة… عشان يعيشوا كويس.”

يسود الصمت…

لا في القاعة فقط، بل في الضمير.

لم يعد السؤال: من المجرم؟

بل: من الذي صنعه؟

بعد استعراض هذه القضايا، لم يعد الحكم موجّهًا للأفراد وحدهم…

بل امتدّ ليشمل المنظومة التي صنعتهم.

وبناءً عليه… تُصدر المحكمة حكمها:

أولًا: تجريم الاستغلال المنظّم للفقر، والتعامل مع شبكات التسوّل وتجارة الأطفال كجرائم منظّمة لا مخالفات فردية.

ثانيًا: إعادة تعريف الصدقة، وتوجيهها عبر قنوات موثوقة تمنع الاستغلال.

ثالثًا: بناء منظومة حماية حقيقية للأطفال، تُنقذهم قبل أن يتحولوا إلى ضحايا أو مجرمين.

رابعًا: تحقيق عدالة سريعة، لأن التأخير قد يصنع مجرمًا جديدًا.

خامسًا: فتح أبواب العودة لمن يحاول التوبة والاندماج من جديد.

سادسًا: إنشاء شبكة أمان اجتماعي حقيقية، تمنع انهيار الإنسان تحت وطأة الفقر والمرض.

وفي نهاية الجلسة…

لم يكن السؤال: من يُعاقَب؟

بل: من يُصلَح؟

لأن أخطر الجرائم… ليست تلك التي نراها،

بل تلك التي نصنعها… ثم نتظاهر بالدهشة حين تقع.