مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كيف تصبح كاتبًا بدون موهبة؟

بقلم / يوسف العفيفي

عندما كنت صغيرًا، كنت أذهب إلى معرض الكتاب بفرحة تسبقني إليه.
لم تكن الصورة واضحة، ولا الأسماء تعني لي شيئًا، ولا دور النشر تثير اهتمامي.
كنت أبحث فقط عن كتابٍ جيد… كتاب يُقرأ، لا يُستعرض.
مرت السنوات، ولم يخطر ببالي يومًا أن يكون لي روايات تحمل اسمي داخل المعرض نفسه.
وحين حدث ذلك… لم أشعر بالفخر كما توقعت.
شعرت بالصدمة.
والحقيقة؟
لم تكن صدمة واحدة، بل سلسلة متتالية.
أولًا:
لم يعد القارئ يهتم بجودة العمل بقدر اهتمامه باسم الكاتب.

الكاتب الأكثر شهرة على صفحات السوشيال ميديا هو الأكثر مبيعًا ، حتى لو كان كتابه مجرد غلاف لامع وصفحات بيضاء.
المهم أن المتابع اشترى، وإن حصل على توقيع على تلك الصفحات الفارغة؟
فقد امتلك المجد الأدبي كاملًا.
ثانيًا:
دور النشر قرأت عقل الجمهور جيدًا ، وقررت أن تمشي مع التيار لا ضده.
لا أتحدث عن الجميع، لكن الأغلبية اختارت الطريق الأسهل:
التسويق بدل الجودة، والضجيج بدل القيمة.
ثالثًا:
ظهرت وظيفة الـBookTalker.
أشخاص بدأوا بدافع حب القراءة، ثم تحوّل الشغف إلى تجارة.
صفحات مليئة بالمتابعين،
وتوصيات تُبتلع بلا تفكير،
والقطيع يسير… لأن أحدهم قال:
«الرواية عظيمة».
ولأكون منصفًا:
ليسوا جميعًا بلا ضمير،
بل إنني لا أنتقدهم أصلًا،
على العكس… أنا معجب بتجربتهم.
دهشتي الحقيقية ليست منهم،
بل من القطيع الذي يسير خلفهم دون سؤال ، أو تفكير وتمييز .
رابعًا: الهدايا.
لم يعد الكتاب كافيًا ليُباع.
لا بد من فاصل، أو استيكر، أو كارت، أو كيس شيك ، أو حتي مج .
كأننا لا نشتري رواية،
بل وجبة «كومبو».

خامسًا (وهي الكارثة):
ظاهرة البلوجرز والمشاهير في عالم الكتابة.
شخص لم يكتب يومًا، ولم يقرأ يومًا، قرر فجأة أن يصبح «روائيًا».
النتيجة؟
مبيعات ضخمة. دور نشر سعيدة. وأديب يُدفن حيًا.
رأيت بعيني في المعرض:
رواية لبلوجر مشهورة،
وبجوارها رواية لكاتب حقيقي، أستاذ جامعي كبير، له تاريخ، وجوائز، وأعمال مترجمة.
رواية البلوجر أغلى سعرًا،
أقل عدد صفحات،
وأعلى مبيعًا.
أما الموهبة؟
فكانت تقف في الركن… تتفرج.

الخلاصة:

إذا أردت أن تصبح كاتبًا مشهورًا بدون موهبة، اتبع الآتي:
امتلك حسابات على السوشيال ميديا بعدد متابعين كبير.
لا يهم ماذا تقول، ولا كيف تكتب، ولا حتى إن كنت تكتب أصلًا.
ادفع لعدد من الـ Book Talkers ليتحدثوا عنك.
ستدفع كثيرًا، نعم…
لكن الشهرة لا تأتي رخيصة.
اختر دار نشر تفهم اللعبة جيدًا.
لا دار نشر تتبع أساليب دعائية عفا عليها الزمن، تُذكرك بمحلات وسط البلد قديمًا،
التي تستعين بأشخاص يلحّون عليك للشراء:
«عندنا بناطيل جينز حلوة… تعال اتفرج».
وبالعامية الواضحة:
اختار دار نشر صايعة… تعمل زحمة، حتى لو الشارع فاضي.
أما إن كنت تمتلك الموهبة فعلًا،
ولم ترغب في أستخدام تلك الأساليب أو أحدهما .
فدعني أكون صريحًا معك:
ابحث عن شيء آخر غير الكتابة.
ادفن موهبتك بهدوء…
وصلِّ عليها صلاة الجنازة.