مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

فن المشهد الواحد: ما وراء كادر القصة

بقلم: خالد محمد شعبان

​القصة كادرٌ من المشهد وليست المشهد كلّه؛ فالقصة القصيرة تُعدّ لقطة مكثفة ضمن نطاق زمني أوسع، بينما الرواية عبارة عن لمحات ومواقف من تاريخ كبير وممتد، وهذا لأن القصة هي مقطع من حكاية أكبر، فإن لم تكن كذلك، فهي مجرد حكاية معلّبة وباهتة.
​هذا المبدأ هو ما يصنع القصص العظيمة، فأي قصة تفتقر إلى تاريخ وخلفية سردية عريضة، يُنظر إليها -في أفضل الأحوال- على أنها محاولة جيدة أو تجربة لطيفة.
أما القصص التي يقبع وراءها تاريخ سردي أو عمق نفسي أو وعي محيط في عقل كاتبها؛ فهي التي تتحول إلى أعمال عظيمة ومؤثرة، شريطة حسن صياغتها وجودة كتابتها.
​ولا يقتصر هذا المبدأ على الأدب فحسب، بل يسري على كل شيء حولنا، فالقطع الأثرية التي لا تُقدر بثمن، بدأت كأدوات بسيطة تُستخدم في الحياة اليومية، ثم حوّلها الزمن إلى شاهدٍ على عصور سابقة، وهذا التحول العميق كان سببه عامل التاريخ والسردية الغامضة المحيطة بتلك القطع.
​وهذا تحديدًا ما يجب على الكاتب الانتباه إليه؛ فمبدأ “الاجتزاء” هنا يعني أن ينتقي الكاتب من المشهد ما يخدم القصة فقط، على سبيل المثال: وصف نظرة البطل لأبيه قبل دفنه، قد يكون أقوى وأشد تأثيرًا من وصف الجنازة كاملة، أو سرد تاريخهما معًا بالتفصيل؛ إلا أن التقاط هذه النظرة يتطلب من الكاتب أن يكون على دراية تامة بظروف موت الأب، وأجواء العزاء، ونفسية الابن، وتاريخ علاقتهما معًا؛ لكي يتمكن من تجسيد كل تلك المشاعر والأحداث المتراكمة في تلك اللحظة البسيطة العابرة.
​هنا تكمن حرفية الكاتب، وتتجلى قدرته على اختيار الحدث والموقف المناسب لاختزال الحكاية بأكملها.
​فالحكاية ليست مجرد سرد متصل لمجموعة من الأحداث المتتالية، بل إنها تجسيد لمعانٍ وتاريخ ومشاعر وأفكار تُصاغ في جمل بسيطة وتراكيب لغوية واضحة، وكلها تخدم غرضًا واحدًا يتلخص في ثلاثية: (حكاية، وحكمة، وحالة).
وهذا ما تقدمه القصة فهي جزء من حكاية، يُجسد حالة، وينقل حكمة، وليس المقصود بـ “الحكمة” هنا المعنى المثالي المباشر، إنما هو ذلك المعنى العميق الذي يستقر في عقل القارئ ووجدانه.
​هذا العُمق موجود في كل القصص الأصيلة، بغض النظر عن كونها هادفة أو للترفيه، فما يُضعف القصة ليس غياب الحكمة المباشرة، بل كونها مبتورة بلا تاريخ ولا جذور، فالقصص منذ قديم الأزل، كانت وسيلة حيوية لنقل أفكار ومعارف وتجارب إنسانية، ولم تكن يومًا مجرد وسيلة عابرة للتسلية.
​وكما قال الأقدمون: “الفن هو ألا يُظهِر الفن”، بمعنى أن جمال القصة يكمن في قدرتها على التعبير عن تاريخها الطويل دون التورط في سرده، وبأنها تختزله كله ببراعة في سحر المشهد الواحد البسيط.