بقلم: يحيى القطب
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
” قُلْ إِنِّمَا حَرَمَ رَبِّيَ الفَوْاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ وَ الإِثْمَ وَ البَغْيَ بِغِيرِ الحَقَّ ” – سورة الأعراف
قبل أن يدخل رمضان… قِفْ مع نفسك
أخي الكريم، إذا كان الله قد حرّم الفواحش ظاهرها وباطنها، فكلُّ أمرٍ مستقبحٍ مُهلكٍ للنفس داخلٌ في هذا التحريم، وإن لم يكن معروفًا في صدر الإسلام باسمه وصورته.
لم تكن السيجارة معروفةً يومئذ، ولكن حقيقتها اليوم جليّة لا لبس فيها: إضرارٌ بالنفس، وإهلاكٌ للبدن، واستنزافٌ للمال، وأذىً للغير.
ألا يتضمنها قوله تعالى: ﴿وَالإِثْمَ﴾؟
بلى التدخين… إثمٌ في حق نفسك وفي حق ذويك… فالإثم أن تظلم نفسك، وأن تُوردها موارد الهلاك.
وعلبةُ السجائر نفسها تصرخ في وجهك: «تسبب الوفاة»، «تدمر الصحة».
تُحذّرك… ثم تشتريها! تُخيفك… ثم تشعلها! أيُّ استخفافٍ هذا بالعقل؟ وأيُّ استمراءٍ للهلاك؟
ومن مات بسبب التدخين بعد أن قامت عليه الحُجّة الطبية والشرعية، كيف يلقى ربَّه وقد تعمّد الإضرار بنفسه؟
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
والتدخين… بغيٌ في حق غيرك، كما جاء في قال تعالى: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
فالبغي أن تعتدي على حق غيرك، أليس نفخُ الدخان في وجوه الناس اعتداءً؟
أليست إصابة غير المدخنين بأمراضٍ بسبب ما يُسمّى “التدخين السلبي” لونًا من ألوان الظلم؟
يا أخي الكريم إن الله عز وجل قال ” تَعَاونُوا عَلَى البِرِّ و التَقْوَى و لَا تَعَاونُوا عَلَى الإِثْمِ وَ العُدْوَانِ”، ثم تأتي انت استسهالاً لكونها بجيبك تعطي منها هذا و ذاك … ماذا اسمي هذا؟؟
ثم تأمّل أثر القدوة… كم من ابنٍ تعلّم من أبيه؟ كم من صديقٍ اقتدى بصديقه؟
وقد قال النبي ﷺ: «من سنَّ سنةً سيئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».
فكم سيجارةً في ميزانك لم تُشعلها بيدك، ولكن أشعلها غيرك اقتداءً بك؟
والمدخن — في حدّه الأدنى — يستهلك علبةً يوميًا.
لنحسبها حسابًا بسيطًا: ٥٠ جنيهًا يوميًا × ٣٠ يومًا = ١٥٠٠ جنيه شهريًا
أي نحو ١٨ ألف جنيه سنويًا! أتعلم ماذا قد يصنع لك هذا المبلغ؟
طعامًا أولى لأبنائك، علاجًا أنفع لأسرتك، صدقةً جارية، سدادَ دين، ادخارًا يحفظ كرامتك
أترضى أن يضيق ولدك بحاجة، بينما يتصاعد مالك دخانًا في الهواء؟
أن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.
فالأولى بك من الإنفاق عليها… الإنفاق للخلاص منها
إن كنت قد أنفقت آلافًا على السجائر، فاجعل ما بقي من عمرك إنفاقًا على التعافي منها: استشارة طبيب، برامج الإقلاع، بدائل طبية، دعم نفسي.
يا أخي .. إنّ الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.
واسمع هم يلعنون بعضهم البعض، فيقول قائل: “لقد تعلمتها من فلان…” ويلعنه كأنه عذره .. وفي الحقيقة هو عذر أقبح من ذنب!!
فهل لو أوقع بك أحدهم في حفرة، وسقطت فيها، أترضى أن تبقى فيها لأنّه هو من أوقعك؟ أم تنهض، وتغالب الألم، وتبحث عن سبيل الخروج؟
الاستمرار في الخطأ اختيارٌ شخصي، لا عذر فيه بعد البيان.
ورمضان… فرصة لا تُعوَّض… رمضان مدرسة الإرادة، أنت تمتنع عن الطعام والشراب ساعاتٍ طويلة طاعةً لله، أفلا تمتنع عن السيجارة إرضاءً لله؟
إن كنت تستطيع أن تقول “لا” للشهوة في نهار رمضان، فأنت تستطيع أن تقول “لا” لها بعده.
فاتقِ الله في نفسك… اتقِ الله في أهلك… اتقِ الله في مالك، واجعل من هذا الشهر بدايةً جديدة…. فباب التوبة مفتوح، والله يحب التوابين.
[التدخين حرام شرعًا – فتوى رقم 718 دار الإفتاء المصرية]






المزيد
الصيام: المعاني النفسية والروحية والتأثيرات على الحياة
الكلمة أمانة
شهر رمضان: فرصة ذهبية لتجديد الروح والنفس