بقلم: يحيى القطب
استقللتُ السيارة مع صديقي د. محمد، وكان الصمت بيننا ممتدًا كخيطٍ رفيع من هواءٍ ساكن، لا يُسمع فيه سوى همس المحرّك وانسياب الطريق تحت العجلات.
مال نحوي قليلًا، وقال بصوتٍ خفيض، كأنه يختبر شيئًا في داخلي:
— على النادي؟
رفعتُ حاجبيّ بدهشة، وتمتمت:
— ياااه… النادي!
ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة، كمن يستدعي ذكرى بعيدة غطّاها الغبار:
— لم أذهب إليه منذ عشرين عامًا.
نظر إليّ متعجبًا:
— غريبة! ألم تكن من كبار مشجعي كرة القدم؟
زفرتُ زفرةً قصيرة، وفي صوتي شيء من الضيق المموّه:
— ربما… ملل.
ثم سكتُّ لحظة، أراقب الشارع يمرّ كلوحةٍ متكررة، وأردفت:
— نحن هكذا… عائلة أبو عرب؛ نشجّع بحماسة لا يُجارينا فيها أحد… لكننا لا نحسن اللعب أبدًا.
ابتسم بفخرٍ خفيف:
— يبدو أنك منقطع فعلًا… ألم تسمع عمّا أنجزه أولاد عمك “مغربي” الفترة الماضية؟ لقد حققوا لقبًا في الدورة الرمضانية.
التفتُّ إليه باهتمام:
— أحرزوا اللقب؟
ضحك ساخرًا وهزّ رأسه:
— لا أظن… ليس إلى هذه الدرجة يا مُحي.
قلت وأنا أستعيد نبرة التحدّي القديمة:
— على كل حال… الدورة لا تخرج عن أبناء البراجيل أو أولاد العجوزة.
قال بجديةٍ مشوبة بسخرية:
— أولاد العجوزة!… متى يهذّبهم الزمن؟
بلغنا بوابة النادي؛ بوابةً حديدية شاهقة، تحفّها ألواح الرخام الأبيض، ويعلوها شعارٌ لامع يتلألأ تحت شمسٍ تميل إلى الغروب، كأنه تاجٌ على رأس ملكٍ عجوز لم يفقد هيبته بعد.
دفعتُ الباب، ودلفتُ إلى الداخل بتؤدة، كمن يدخل مكانًا يعرفه… ولا يعرفه.
كان الهواء مختلفًا—مشبعًا برائحة الكلور والعشب المبتل، وفيه خفّة باردة تلامس الوجه ككفٍّ قديمة تعرفك.
لم أعرف أحدًا… ولم يعرفني أحد.
لكن قدميّ—بلا وعي—أخذتا طريقهما نحو ملعب كرة القدم، كأن الأرض تحتفظ بذاكرة خطواتي.
قال د. محمد مستنكرًا:
— إلى أين؟
قلت بعفوية:
— إلى الملعب.
مدّ الكلمة وهو يهزّ رأسه:
— لاا…
ثم اقترب قليلًا، وقال بنبرةٍ تحمل سرًا:
— تعالَ… سأريك مباراةً أشد حماسة.
اتجهنا إلى المسبح، فإذا بالمكان يغلي بالبشر كقدرٍ على نارٍ عالية.
الأصوات متداخلة، والضحكات تتطاير، والهواء محمّل برطوبة الماء وحرارة الأجساد.
اصطفت الطاولات حول الحوض كأنها مدرجات غير معلنة لمعركةٍ صامتة.
على اليمين:
أولاد رشاد، ثم أولاد أونكل شنن، ثم أولاد نجوان، فالبيباني، فأولاد كوبيا…
وعلى صفّنا:
أولاد طنط هند، ثم البستاني، ثم مهران…
ثم طاولتنا نحن—أولاد أبو عرب—
طاولة تبدو عادية، لكنها تحمل تاريخًا أقدم من الجميع… كجذع شجرةٍ ضارب في الأرض.
أما الجهة المقابلة، فكانت جبهة أخرى:
أبناء العجوزة…
طنط إجلال، ثم مايسة، ثم جيرمين…
وبينهم طاولة طنط رانيا، كخط تماسٍ حساس.
وعلى اليسار، امتدت طاولات أولاد طنط مزيكا بطول المكان، كأنها حدود لا يُسمح بتجاوزها.
قلت بضيق:
— ما هذا؟!
ثم أضفت ساخرًا:
— هل علموا بمجيئي فجاءوا جميعًا اليوم؟
قال بهدوء:
— لا… هكذا صار الوضع كل يوم.
ثم خفّض صوته:
— الكل يأتي… ليستعرض.
نظرت إليه، فقال:
— مال، ونفوذ، وسلطة.
لوّحت بيدي:
— وعلى ماذا؟… الدنيا فانية.
ابتسم ابتسامة خفيفة:
— لا… الوضع هنا مختلف.
وأشار بعينيه:
— انظر… كلهم يتربص بالآخر.
توالت الحكايات، والتشابكات، والعلاقات المعقّدة…
كل طاولة تحمل صراعًا، وكل اسم يخفي قصة.
حتى خيّل إليّ أن المكان ليس ناديًا…
بل خريطة صراعات حيّة، تتحرك على أرضٍ واحدة.
وفجأة، لفت انتباهي كائن يتحرك بين الطاولات بخفة غريبة…
يميل هنا، ويهمس هناك…
لم يكن طفلًا.
كان قزمًا…
وجهه مشوّه كأن ملامحه صيغت من تناقضات،
وعيناه تلمعان ببرود، وابتسامته تخفي قسوةً زاحفة.
قلت بصوت منخفض:
— أليس هذا… ديفيد؟
قال:
— ابن زوجها.
لم تمضِ دقائق حتى انفجر المشهد.
ارتفعت الأصوات، وتشابكت الأيدي، واشتعلت العيون.
لكن شيئًا ما كان غريبًا…
العنف بدا تمثيلًا… لا حقيقة.
كأن الجميع يؤدي دورًا… في مسرحية أكبر.
قال د. محمد بقلق:
— من سيفوز؟
ارتشفتُ من الكأس ببطء، ونظرت إلى المشهد كله، ثم قلت:
— لا أحد…
ثم أضفت:
— ديفيد… سيفسد كل شيء…
ثم يجلس فوق الركام.
وصمتُّ قليلًا، قبل أن أقول:
— وربما… يأتي أبوه.
ضحك وقال:
— ملناش دعوة يا مُحي.
هذا كل ما دار بيننا…
وحين استيقظت، كان المشهد لا يزال عالقًا في ذهني،
فقررت أن أكتبه لكم…
لتشاركوني الحيرة.






المزيد
الصحة النفسية للمرأة: اضطراباتها، أسبابها، وطرق الرعاية قبل أن تتحول إلى أزمة
علم النفس ومتلازمة داون
أرقام تحكي مأساة التسول